مقالات

بين التباهي والرحمة… حكايات لا تُروى

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

ليس كل الأطفال يملكون ما يتحدثون عنه ..بعد كل عيد، يعود الأطفال إلى مدارسهم وهم يحملون بقايا الفرح في قلوبهم. هذا يروي تفاصيل سفره، وذاك يتحدث عن عيدياته، وآخر يتباهى بما اشتراه له والداه، بينما يجلس في زاويةٍ هادئة من الصف طفلٌ صامت، يبتسم أحيانًا حتى لا يفضحه الحزن.

تبدأ أحاديث يراها البعض عفوية:

“كم جمعتم في العيد؟”

“وين سافرتوا؟”

“وش جاب لكم أبوكم؟”

وقد لا يدرك أصحاب هذه الأسئلة أن كلماتهم قد تترك أثرًا عميقًا في نفوس آخرين.

فليس كل الأطفال يعيشون الظروف نفسها، وليس كل طالب عاد بعد الإجازة محملًا بالهدايا والرحلات والذكريات السعيدة. فهناك طفل فقير لم يحصل على ما حصل عليه أقرانه، وهناك طفل يتيم لا يملك أبًا يعود إليه بالهدايا أصلًا، فيكتفي بالصمت بينما الجميع يتحدثون عن آبائهم، وأسفارهم، وأيامهم الجميلة.

هناك أطفال لا ينقصهم الذكاء ولا الطموح ولا الأخلاق، ينقصهم فقط ألا يشعروا بالنقص أمام الآخرين.

فالطفل الفقير لا يحتاج إلى من يذكّره بظروفه، واليتيم لا يحتاج إلى من يوقظ داخله شعور الفقد كلما سمع الآخرين يتباهون بما يملكون.

والمشكلة لا تقف عند الأطفال فقط، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله. فقد أصبح البعض يتسابق في استعراض ما يملك من أموال ومقتنيات ورحلات ومناسبات، دون أن يلتفت إلى أن أمامه من لا يملك شيئًا مما يتحدث عنه.

إن النعم تُشكر ولا يُتباهى بها، وتُحمد ولا تُستعرض أمام من حُرم منها.

ومن واجبنا كمربين وآباء وأمهات ومعلمين أن نغرس في أبنائنا ثقافة الشكر بدل التفاخر، والتواضع بدل التباهي، والشعور بالآخرين قبل الحديث عما نملك.

فلنعلم أبناءنا أن الفرح لا يكون بإشعار الآخرين بما ينقصهم، وأن الحديث المتكرر عن المال والهدايا والسفر قد يكون مصدر ألمٍ لشخص لا يستطيع الوصول إلى ما نتحدث عنه.

علّموهم ألا يتفاخروا بالسفر أمام من لم يغادر حيه، ولا بالمال أمام من عاد إلى منزله حزينًا لأنه لم يحصل على عيدية، ولا بوجود الأب أمام طفل يتيم يتمنى لو يسمع كلمة “أبي” مرة أخرى.

إن التربية الحقيقية لا تصنع أبناءً يعرفون كيف يتحدثون عن النعمة فقط، بل أبناءً يعرفون كيف يحافظون على مشاعر الآخرين وهم يتحدثون عنها.

فقد تكون كلمة واحدة سببًا في إدخال السرور إلى قلب إنسان، وقد تكون كلمة أخرى سببًا في كسر خاطرٍ يحاول صاحبه إخفاء ألمه خلف ابتسامة صغيرة.

ولذلك فإن المجتمع الراقي لا يُقاس بكثرة ما يملكه أفراده، بل بقدرتهم على مراعاة مشاعر بعضهم البعض، واحترام ظروف الآخرين، والتعامل معهم برحمة وإنسانية.

فلنكن أكثر وعيًا في كلماتنا، وأكثر رحمة في أحاديثنا، ولنعلم أبناءنا أن أعظم ما يمكن أن يمتلكه الإنسان ليس المال ولا الهدايا ولا الرحلات، بل قلبٌ يشعر بالناس، ويحفظ كرامتهم، ولا يجعل أحدًا يشعر أنه أقل من الآخرين.

فبعض القلوب الصغيرة تتألم بصمت.. وكل ما تحتاجه أن تجد حولها من يراعي مشاعرها، ويعاملها بإنسانية، ويمنحها الشعور بأنها تساوي الدنيا كلها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬