مقالات

بين الطيبة والخذلان… كيف يحافظ الإنسان على قلبه دون أن يخسر نفسه؟

بقلم الكاتبه: حنان القرني

بقلم الكاتبه: حنان القرني

يقول ابن الجوزي: «اصنع الخير وليقع حيث يقع، فإن وقع في أهله فهم أهله، وإن وقع في غير أهله فأنت أهله.» كلما كبرت في العمر، بدأت أفهم هذه العبارة بطريقة مختلفة، في البداية كنا نظن أن الخير سيعود دائمًا كما خرج، وأن المواقف الجميلة لا يمكن أن تُنسى، وأن الناس ستتذكر من وقف معها أو خفف عنها يومًا، لكن الحياة لا تسير دائمًا بهذه الصورة.

أحيانًا تبذل جهدًا صادقًا، أو تقدم دعمًا حقيقيًا، ثم تكتشف أن الأمر مر عابرًا عند الطرف الآخر، وكأنه لم يكن ليس لأن ما قدمته قليل، بل لأن بعض الناس لا ينظرون إلى الأشياء بالطريقة نفسها، أو لأنهم مشغولون بأنفسهم أكثر مما نتوقع.

وهنا يبدأ الإنسان بمراجعة نفسه: هل أستمر كما أنا؟ أم أن كثرة الخيبات تجعل الإنسان أكثر قسوة مع الوقت؟ أعتقد أن النضج الحقيقي ليس أن يتحول الإنسان إلى شخص بارد أو حذر من الجميع، ولا أن يبقى مستنزفًا تحت مسمى الطيبة، بل في أن يتعلم كيف يوازن بين قلبه وحدوده، أن يفعل الخير لأنه يشبهه هو، لا لأنه ينتظر المقابل في كل مرة.

هذا لا يعني أن نتجاهل الإساءة أو نسمح للآخرين باستغلالنا، فحتى العلاقات الإنسانية تحتاج وعيًا وحدودًا واضحة، لكن من المؤلم فعلًا أن تتحول بعض التجارب السيئة إلى سبب يجعل الإنسان يتخلى عن صفاته الجميلة أو يشك في كل نية طيبة حوله.

في بيئات العمل مثلًا، هناك أشخاص يصنعون أثرًا حقيقيًا بهدوء، يساعدون ويساندون، ويخففون الكثير من الفوضى حولهم، دون أن يظهر ذلك دائمًا في التقارير أو كلمات الشكر أو حتى التقدير المباشر، ومع ذلك يبقى أثرهم موجودًا.

ربما ليس كل خير سيعود بالطريقة التي نتوقعها، لكن أعتقد أن الإنسان في النهاية يعيش مرتاحًا أكثر حين لا يخسر أصالته وهو يحاول التعامل مع قسوة العالم،

فالخير الحقيقي لا يتجلى فقط فيمن يستحقه… بل في قدرتك أنت على ألا تفقد إنسانيتك ونقاءك رغم كل ما رأيته،مستندًا إلى يقين هادئ بأن ما كان لله لا يذهب سدى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬