زيارة القبور يوم الجمعة

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله ، وصحبه ؛ ثمَّ أمَّا بعد :
كم ليوم الجمعة من فضلٍ عظيم على ما سواه من أيام الأسبوع ؛ قال صلى الله عليه وسلم : – خَيرُ يَومٍ طَلَعَت عليه الشَّمسُ يَومُ الجُمُعةِ ؛ فيه خُلِقَ آدَمُ ، وفيه أُدخِلَ الجَنَّةَ ، وفيه أُخرِجَ مِنها ، ولا تَقومُ السَّاعةُ إلَّا في يَومِ الجُمُعةِ – رواه مسلمٌ في صحيحه ؛ وقال صلى الله عليه وسلم : – فيه ساعةٌ لا يوافِقُها عَبدٌ مُسلِمٌ وهو قائِمٌ يُصَلِّي ، يَسألُ اللهَ تَعالى شيئًا ، إلَّا أعطاه إيَّاه ، وأشارَ بيَدِه يُقَلِّلُها – رواه البخاري ومسلم ؛ ومع هذا الفضل العظيم الوارد في يوم الجمعة لا يجوز إحداث أمورٍ مبتدعة تخالف شريعة الله ، ومنها ما يفعل فيها من تخصيص زيارة القبور في يومها فإنَّه لم يرد في ذلك حديثٌ صحيحٌ أو سنةٌ مأثورةٌ عن السلف فيما أعلم ؛ فإن قال قائلٌ أنا لا أعتقد سنية زيارة القبور يوم الجمعة ، وإنَّما حملني على زيارتها أمران :
١ ) أنَّ يوم الجمعة فيه ساعة يستجاب فيه الدعاء ، وأنا أحب أن يستجاب دعائي للأموات من قرابتي أو غيرهم من موتى المسلمين .
٢ ) أني لا أتمكن من زيارة القبور إلا يوم الجمعة ، وبعد صلاة الجمعة على وجه الخصوص . قلنا له : إنَّ الساعة التي يستجاب فيها الدعاء من يوم الجمعة ؛ ليس فيها دليلاً على تخصيص يوم الجمعة بزيارة المقابر للدعاء للموتى رحمهم الله ؛ بل لك أن تدعو الله لهم سواء كنت في المقبرة أو غيرها .
وأمَّا كونك لا تفرغ لزيارة القبور والدعاء لأصحابها إلا يوم الجمعة ؛ فلا يحملك هذا العذر على تخصيص زيارة القبور بيوم الجمعة دون غيرها من الأيام ؛ فبإمكانك أن تزورهم في وقتٍ آخر متى تيسر لك ذلك ؛ إذ الزيارة ليست بلازمة عليك في هذا الوقت ، وإنّما هي سنةٌ في أي وقت من الأوقات ، أو بإمكانك في يوم الجمعة أن تدعو للموتى والأحياء من قرابتك وغيرهم في أي مكان تكون فيه ؛ سواء كنت في المسجد أو البيت أو غيرهما من الأماكن ؛ فليس للدعاء للأموات في المقابر مزية عن الدعاء في غيرها من الأماكن .
معاشر القراء : وأمَّا اعتقاد فضيلة زيارة المقابر يوم الجمعة فهذا أمرٌ محدثٌ يحتاج فاعلها إلى دليلٍ صحيح من كتابٍ أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ كيف وقد الله تعالى : – وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ – الحشر : ٧ وقال صلى الله عليه وسلم : – فعليكم بسنتي ، وسنةِ الخلفاءِ المهديّين الراشدين تمسّكوا بها ، وعَضّوا عليها بالنواجذِ ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ – رواه أبو داود في سننه ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم 4607 قال الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله : ” مَن ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنةً ؛ فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة ؛ اقرؤوا قول الله تبارك وتعالى – الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا – فقال رحمه الله : ولا يصلح آخر هذه الأمَّة إلا بما صَلُحَ به أوَّلها ؛ فما لم يكن يومئذٍ دينًا لا يكون اليوم دينًا ” وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رحمه الله : ” قِفْ حَيْثُ وَقَف القَوْمُ ، فإنَّهم عَنْ عِلْمٍ وَقَفُوا ، وَبِبَصَرٍ نافِذٍ كَفُّواْ ، ولَهُمْ على كَشْفِهَا كَانُوا أَقْوَى ، وبالفَضْلِ لو كانَ فِيهَا أَحْرَى ، فَلئِنْ قُلْتُم : حَدَثَ بَعْدَهُم ، فَمَا أَحْدَثَهُ إِلاَّ مَنْ خَالفَ هَدْيَهُمْ ، ورَغِبَ عن سُنَّتِهِم ، وَلَقدْ وَصَفُوا مِنْهُ مَا يَشْفِي ، وَتَكَلَّمُواْ منه بِمَا يَكْفِي ، فَمَا فَوْقُهُمْ مُحَسِّرٌ ، وَمَا دُونهُمْ مُقَصِّرٌ ، لَقَدْ قَصَّرَ عَنْهم قَوْمٌ فَجَفَوا ، وَتَجَاوَزَهُم آخرون فَغَلَوا ، وإنَّهُمْ فِيمَا بَيْنَ ذَلك عَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ” .
معاشر القراء : مما يبتلى بفعله أيضاً بعض الزائرين للمقابر ؛ حمل المياه الصحية معهم أو مما يجدونه من المتبرعين عند بوابات المقابر من أجل رش قبور من يريدون زيارتهم والدعاء لهم ؛ وهذا عملٌ محدثٌ لم أجد له دليلاً صحيحاً ؛ ولا عليه عملٌ مأثورٌ عن أحدٍ من سلف الأمة رضوان الله عليهم ؛ فيا ترى ما الفائدة من رش القبور عند الزيارة ؟ فإن قالوا : من أجل تخفيف ما على الموتى من الضيق والحر أو العذاب ؛ فهذا اعتقاد فاسد ؛ وسوء ظنٍّ بالموتى ؛ فالله لم يطلعنا على أحوالهم حتى نقوم برش قبورهم بالمياه الصحية ، وقد نهانا ربنا عن سوء الظن بالأحياء فضلاً عن الأموات . وزيادةً على هذا ؛ فإنَّ نوع من العبث بالمياه بدلاً أن تشرب وينتفع بها ؛ ترش على القبور عبثاً وتبذيرا ، والله تعالى يقول : – وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ – الأعراف : 31 .
وإن قال قائلهم : إنَّا نرش الماء على القبور حمايةً لترابها القبور من أن تتصدع ، ويذهب ترابها مع أدراج الرياح ، قلنا له : هذا لا يحملك أن تقوم برش المياه على القبور ، فهناك جهاتٌ مسؤولة من قبل الدولة هي التي تقوم باصلاح ما يلزم إصلاحه منها نظافةً ، ورم ما يستحق الردم منها بدون حاجة الرش الذي تزعمه أنَّه يحافظ على تراب القبر .
إخواني القراء : إنَّ من السنة عند زيارة القبور أو دفن الموتى استقبال القبلة للدعاء للموتى إذا كان القبر بينك وبين القبلة ؛ أمَّا إذا لم تتمكن من ذلك لكون القبور متصلة ؛ بأن تكون مدفونةً كالقبور المعروفة أو تكون في غرفٍ مغلقة في الأرض كما هو حالها في مقابر المدن الكبيرة ، والتي لايمكن للداعي أن يقف بينها وبين القبلة ؛ فما كلفنا الله باستقبال القبلة ، وترك استقبال القبور التي تكون عن أيماننا أو عن شمائلنا أو من خلفنا ؛ بل نتجه للقبر على جهةٍ نكون وندعو له عند السؤال بالتثبيت ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : – استغفِروا لأخيكُم ، وسَلوا لَهُ التَّثبيتَ ، فإنَّهُ الآنَ يُسأَلُ – رواه أبو داود في سننه ؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم 3221 ولم يؤثر عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنَّه أمر أصحابه أن يستقبلوا القبلة ، حال دعاءهم للمقبورين إلا أن يكون القبر بيننا وبين القبلة ؛ فاستقبالها أفضل ، وما لم نتمكن من ذلك فنستقبل القبر وندعو له ، ويزداد الأمر سوءاً أن يطلب أحد الحاضرين من المشيعين استقبال القبلة للدعاء للميت ، والقبر عن يمينهم أو شمالهم أو من خلفهم ، والله المستعان .
وأخيراً : من الأمور المشاهدة أن تجد بعضاً من المسلمين هداهم الله يحرص على زيارة المقبرة للدعاء لأصحابها ، ولايحرص على أن يشارك الناس في الصلاة على الجنازة وشهود دفنها ؛ مع أنَّه يرى الجنازة ، ويرى المشيعين لها ، والله المستعان .
فيا معاشر القراء : تفقهوا في دينكم ، واعرفوا السنن في زيارة المقابر ، وتجنبوا البدع فيها ، حتى يقبل دعاؤنا ، وسائر أعمالنا ، واسألوا الله دائماً وأبداً ؛ أن يثبتنا على الإيمان والسنة حتى نلقاه ؛ اللهم حبب إلينا الإيمان ، وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر ، والفسوق ، والعصيان ، واجعلنا من الراشدين . اللهم آمين .




