حين نكتب… لا لنُرى بل لننجو

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
حين نكتب عن الألم… لا نفعل ذلك دائمًا لنُسمِع العالم صوتنا، ولا لنطلب شفقةً من أحد. الكتابة ليست عرضًا لمشاعرنا، بل أحيانًا تكون ملجأنا الأخير، المكان الوحيد الذي نستطيع أن نضع فيه أثقالنا دون أن نحاسب أو نُساء فهمنا.
في داخل كل إنسان أشياء لا تُقال بسهولة. مشاعر تتكدّس بصمت، كأنها طبقات من الأيام التي مرّت ولم تجد طريقها للخروج. نحملها معنا في تفاصيلنا، في نظراتنا، في صمتنا الطويل… حتى تصبح جزءًا منا. وعندما نكتب، لا نُفرغها تمامًا، لكننا نخفف حدّتها، كأننا نُزيح قليلًا من هذا الثقل عن صدورنا، لنستطيع أن نكمل الطريق.
بعض الأحزان لا تُحكى، ليس لأنها صغيرة… بل لأنها عميقة إلى درجة أن الكلمات تخجل من وصفها. نحاول تجاهلها، نُقنع أنفسنا بأنها ستمر، لكنها تبقى، تتراكم بهدوء، حتى يأتي يوم تُصبح فيه أثقل من أن تُحتمل. عندها فقط… نكتب.
نكتب لا لنُلفت الانتباه، بل لنحافظ على توازننا. نكتب لأننا لا نريد أن ننكسر أمام الآخرين، ولا نريد أن نُرهق من حولنا بما لا يستطيعون حمله معنا. نكتب لأننا نحاول أن نكون لطفاء… حتى ونحن نتألم.
وفي الكتابة، شيء يشبه النجاة. ليست نجاة كاملة، لكنها استراحة محارب، لحظة نلتقط فيها أنفاسنا قبل أن نعود لمواجهة الحياة بقلوب أقل ثقلًا.
ولعل أجمل ما يمكن أن نرجوه لأنفسنا… أن نظل خفيفي الأثر، طيّبي اللسان، لا نُثقل على أحد، ولا نترك في القلوب إلا ذكرى طيبة. أن نمرّ في حياة الآخرين مرورًا هادئًا… كغيمةٍ عبرت، فأنعشت، ثم مضت دون أن تُؤذي.
فالكتابة عن الألم لا تعني ضعفًا، بل تعني أننا نحاول أن ننجو بطريقةٍ لا تُؤذي أحدًا… حتى أنفسنا.



