مقالات

ماتتذكره الروح

بقلم الكاتبه :عبير بن صديق 

بقلم الكاتبه :عبير بن صديق 

قرأتُ يومًا عبارة تقول: “ثمة مدنٌ لا تُزار، بل تُستعاد من أعماق الروح.” ولم يخطر ببالي يومها إلا المدينة المنورة؛ المدينة التي يبدو أن القلوب، على اختلاف أصحابها، تُجتمع على حبها دون اتفاق.

في المدينة شيءٌ لا يشبه المدن. سكينةٌ لا تُفسَّر بقوانين المكان، ولا تُقاس بضجيج الشوارع أو هدوء الطرقات. تمضي بين جموع الزائرين، فتراهم كثيرين، لكنك تشعر أن الكون كله في حالة إنصات. كأن الأصوات هناك لا تختفي، بل تتأدب . ولا عجب أن تجد في أهلها لطفًا يألفه القلب من أول لقاء , ولسانًا عذبًا ينساب إلى الروح قبل الُأذن ’فالمدينة لا تهب زائريها السكينة وحدها ,بل تغرس شيئًا منها في طباع من سكنها وأحبها .

العجيب أن الذاكرة في المدينة لا تحتاج إلى تجربة، بل يكفيها الأثر. كل موضعٍ مسته قدم المصطفى ﷺ يتحول من حجرٍ وتراب إلى حكاية نابضة. تسير في دروبٍ مضى عليها أكثر من أربعة عشر قرنًا، فتفاجأ بأنك لا تتعرف على المكان، بل تتذكره. كأنك رأيته من قبل، أو عشته في زمنٍ لا تعرف كيف بلغك.

فتسأل نفسك: كيف استطاعت قصةٌ سكنت ذاكرتك منذ الطفولة أن تتحول إلى مشهدٍ مألوف أمام عينيك؟ وكيف صار التاريخ ذاكرةً شخصية، والأثر ذكرى لم تعشها ومع ذلك تسكنك.

في الروضة الشريفة، وفي مسجد قباء، وفي كل مسجدٍ صلى فيه الحبيب ، تشعر أن الزمن فقد صلابته، وأن القرون الطويلة لم تكن سوى ستارٍ رقيق يُمكّن للروح أن تنفذ من خلاله. حتى المواضع التي جلس فيها أو استظل بها( بستان المستظل و بئر عذق)، حيث استظل رسول الله وشرب من مائه، لا يبدو المكان مجرد نخيلٍ وبئرٍ عتيقة، بل ذاكرة حية تحفظ أثر المقيم وليس العابر . فإذا شربت من الماء شعرت أن بينك وبين أربعة عشر قرنًا جسرًا خفيًا من المحبة، وأن بعض الأماكن لا تمنحك ماءها فحسب، بل تسقيك شيئًا من السكينة التي مرت بها يومًا وكأنها تحتفظ بشيءٍ من حضوره؛ لا صوته يُسمع، ولا صورته تُرى، لكن القلب يوقن أن للأماكن ذاكرةً لا تموت.

وفي مسجد بني أُنيف، تلك المساحة الصغيرة المفتوحة على السماء، تقف أمام جدرانٍ متواضعة وسورٍ قصير، فإذا بالمكان أوسع من الجغرافيا كلها. تشعر أن الحجارة تروي قصةً لا تعرف تفاصيلها، وأن الفراغ نفسه يحمل أثر صلاةٍ مرت من هنا يومًا، ثم بقي صداها معلقًا في الهواء حتى اليوم.

أما أُحد… فذلك شأن آخر.

ما إن تبدأ الصعود إليه حتى تشعر أن شيئًا في داخلك يلين. دمعةٌ لا تعرف سببها، وشوقٌ لا تعرف مصدره. كأن كل حجرٍ هناك يحمل رسالة، وكل منعطفٍ يهمس بحكاية. ثم تتذكر قول النبي : «أُحد جبل يحبنا ونحبه»، فتدرك أن الحب في المدينة ليس استعارةً بل حقيقة. حبٌّ بحجم جبل، لكنه يتسلل إلى القلب في رقة النسيم. عندها يصبح السحاب الذي يعانق قمته مشهدًا من مشاهد المودة، وتغدو الصخور أدلةً على أن الوجود كله قادر على الحب إذا اتصل بالنور.

في المدينة تتسع حدود الإحساس؛ فالحجر يشعر، والمكان يشتاق، والهواء يحتفظ بالذكريات، والروح تستعيد شيئًا منها كلما اقتربت.

ولهذا لا تشبع منها أبدًا. بل إن أعجب ما فيها أنك تشتاق إليها قبل أن تغادرها، كأن الفراق يبدأ من لحظة اللقاء. تخرج منها بجسدك، وتبقى أجزاءٌ منك هناك، معلقة بين مآذنها وأزقتها وسلامها القديم.

المدينة المنورة ليست مدينةً فحسب؛ إنها سكينةٌ تجسدت في أرض، وطمأنينةٌ اتخذت شكل وطن، وهدنةٌ كبرى يعقدها الإنسان مع نفسه، فيعود منها أخفَّ قلبًا، وأصفى روحًا، وأقرب إلى السماء.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬