دائرة التفكير القاتلة
بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر
تخيّل أن يكون ذهن الإنسان كغرفة مزدحمة بالأفكار، أبوابها مفتوحة على الماضي بنقاطه المؤلمة، ونوافذها مشرعة على مستقبل مقلق، بينما الحاضر — اللحظة الوحيدة التي نعيشها فعلاً — يكاد يختفي وسط هذا الضجيج. هذه الحالة يُمكن وصفها بما يُعرف في علم النفس بـRumination _الاجترار الذهني_، وهي نمط من التفكير المتكرر الذي يجعل الإنسان عالقًا في دائرة مغلقة من القلق والتفكير الزائد.
الاجترار الذهني لا يكتفي بإرهاق العقل، بل يمتد تأثيره ليشمل السلوك والمشاعر. فمع الوقت، يبدأ الشخص بالانسحاب من الحياة الاجتماعية، ويفضل العزلة داخل المنزل، معتقدًا أن الراحة تكمن في الابتعاد عن الناس والضغوط. لكن المفارقة أن هذا الانسحاب يزيد من حدة التفكير، ويُعمّق الشعور بالضيق، فيدخل الإنسان في حلقة يصعب كسرها. وتشير دراسات في مجال Clinical Psychology إلى أن استمرار هذا النمط قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بحالات مثل Depression والقلق.
وفي خضم هذا الصراع الداخلي، يأتي التوجيه الإيماني ليمنح الإنسان توازنًا عميقًا، إذ يقول الله تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ _سورة البقرة: 286_
وهذا المعنى يخفف من وطأة القلق حول المستقبل، ويعيد الطمأنينة إلى القلب بأن ما يمر به الإنسان هو ضمن قدرته على التحمّل.
كلما طالت مدة البقاء في هذه الدائرة، أصبحت أكثر رسوخًا، لأن الدماغ يعتاد هذا النمط من التفكير ويكرره تلقائيًا. وهنا تكمن الخطورة: ليس فقط في الأفكار نفسها، بل في تحولها إلى “عادة ذهنية”.
لكن الخبر الجيد أن كسر هذه الحلقة ممكن، ويبدأ بخطوات بسيطة لكنها فعّالة:
أولًا، الخروج من البيئة المغلقة. التعرض للهواء الطلق والضوء الطبيعي له تأثير مثبت على تحسين المزاج وتقليل التوتر، مجرد المشي اليومي، حتى لو كان لمدة قصيرة، يُحدث فرقًا واضحًا.
ثانيًا، ممارسة الحركة، خاصة مثل Walking، لا تُنشّط الجسم فقط، بل تُعيد توازن كيمياء الدماغ من خلال إفراز هرمونات السعادة، مما يساعد على تهدئة التفكير الزائد.
ثالثًا، الانشغال الواعي. ليس أي انشغال، بل أنشطة ذات معنى، مثل تعلم مهارة جديدة،
أو ممارسة هواية، أو حتى ترتيب المهام اليومية. هذا يُعيد توجيه الانتباه من الداخل المرهق إلى الخارج المنتج.
رابعًا، وضع أهداف جديدة — حتى لو كانت صغيرة. الأهداف تمنح العقل اتجاهًا، وتخلق شعورًا بالإنجاز، مما يقلل من مساحة التفكير السلبي.
وأخيرًا، من المهم إدراك أن الراحة الحقيقية لا تأتي من الانعزال التام، بل من التوازن. فالعقل مثل العضلة، يحتاج إلى حركة وتغيير، لا إلى سكون طويل.
في النهاية، قد يبدو البقاء داخل هذه الدائرة مريحًا في البداية، لكنه راحة مؤقتة تُخفي تعبًا أعمق. أما الخروج منها، فقد يكون صعبًا في البداية، لكنه الطريق الحقيقي نحو استعادة صفاء الذهن وهدوء النفس.



