أمان الوطن… نعمة لا تُقدَّر بثمن

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي
في زحام الحياة، وبين تسارع الأيام وتفاصيلها التي لا تهدأ، نُرهق أنفسنا في السعي نحو المزيد، وننشغل بما ينقصنا، حتى نكاد نغفل عن أعظم ما نملك… نعمةٌ لا تُرى بالعين، لكنها تُحسّ في أعماق القلب؛ نعمة الأمن.
الأمن ليس حالةً عابرة، ولا ظرفًا مؤقتًا، بل هو روحٌ تسري في تفاصيل حياتنا كلها. هو أن تستيقظ صباحًا دون أن يحمل قلبك خوفًا، وأن تغادر منزلك وأنت مطمئن أن لك وطنًا يحتضنك، وأن تعود إليه آخر النهار دون أن تفكر: هل سأصل؟
هو أن تسمع الأذان، فتسكن روحك، وتمضي إلى الصلاة دون وجل، وأن تضحك مع أهلك دون أن يقطع ضحكتك قلقٌ مباغت.
قال النبي ﷺ:
“من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا”
وهنا لا يُعظّم الحديث متاع الدنيا، بل يكشف سرّها: أن جوهرها الحقيقي ليس في كثرتها، بل في طمأنينتها.
الأمن هو الشعور الذي إذا حضر، غابت معه كل المخاوف، وإذا غاب، لم تُغنِ عنه كنوز الأرض شيئًا.
فكم من إنسانٍ يملك المال، لكنه لا يملك راحة البال، وكم من شعبٍ يملك الثروات، لكنه يفتقد الأمان، فيعيش قلقًا دائمًا لا يهدأ.
وحين نسمع عن أخطارٍ أُحبطت، أو تهديداتٍ أُزيلت، دون أن تلامس حياتنا أو تُعكّر صفونا، فإننا أمام لطفٍ إلهي عظيم، وعنايةٍ خفية تعمل في صمت، لتحفظ لنا استقرارنا. هناك عيونٌ لا تنام، وجهودٌ لا تُرى، وأرواحٌ تبذل لتبقى هذه الطمأنينة حاضرة في حياتنا.
وهنا يتجاوز الشكر كونه كلمة، ليصبح وعيًا…
وعيًا بأن ما نعيشه ليس أمرًا عاديًا، بل نعمة عظيمة تستحق أن تُصان في قلوبنا قبل أن تُصان على أرضنا.
وأن نكون على قدر هذه النعمة، سلوكًا وانتماءً، وأن نُترجم امتناننا لها التزامًا، واحترامًا، وإخلاصًا لهذا الوطن الذي منحنا الأمان دون مقابل.
إن أخطر ما يُفقد النعم ليس زوالها المفاجئ، بل اعتيادها حتى تفقد معناها.
أن نعيش الأمن وكأنه أمرٌ مفروغٌ منه، لا يحتاج إلى شكر، ولا يستدعي تأملًا… وهنا تبدأ الغفلة.
تأملوا حال من فقدوا أوطانهم، كيف أصبح الأمن لديهم حلمًا، وكيف تحولت أبسط تفاصيل الحياة إلى أمنيات بعيدة. عندها فقط ندرك أن ما نعيشه اليوم هو ثروة لا تُقاس.
الأمن ليس مجرد استقرار… بل هو كرامة، وهو حياة، وهو مستقبل يُبنى بثقة.
وفي ظل وطنٍ آمن، لا نحيا فقط… بل نزدهر، نحلم، ونصنع، ونمنح.
اللهم احفظ وطننا وقيادتنا ومقدساتنا، وأدم علينا نعمة الصحة والأمن والأمان، واجعلنا من الشاكرين الذين يعرفون قدر النعمة قبل أن يفقدوها، ويحفظونها في قلوبهم كما حُفظت لهم على أرضهم.



