مواصلة العمل الصالح

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ، ثمَّ أمَّا بعد :
إخواني القراء : إذا كان رمضان قد انقضت أيام الصيام منه ؛ فأيام صيام النافلة طول العام لا تنقضي ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : مَن صامَ يَومًا في سَبيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجهَه عَنِ النَّارِ سَبعينَ خَريفًا رواه البخاري ومسلم ، ومن تلك الأيام التي يشرع صيامها بعد رمضان ؛ صيام ستة أيامٍ من شوال ؛ قال صلى الله عليه وسلم : مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتبَعَه سِتًّا مِن شَوَّالٍ كانَ كَصيامِ الدَّهرِ رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ؛ فلنبادر يا إخوتاه بصيام هذه الستة الأيام من شهر شوال ؛ سواءً كان صيامها متتابعاً أو متفرقاً ؛ لنظفر بأجر صيام الدهر ؛ وهو أجر صيام عامٍ كامل؛ فصيام ثلاثين يوماً من رمضان يعدل صيامها صيام ثلاثمائة يوم ؛ لانَّ الحسنة بعشر أمثالها ، وصيام ستة أيام يعدل أجر صيامها صيام ستين يوماً ، نسأل الله من فضله العظيم ؛ والموفق فيها من اغتنم هذه الأجور العظيمة ، ولم يفرط في شيءٍ منها ؛ والمغبون من عجز عن القيام بنوافل العبادات ، ولم يعرف فضلها ؛ وأهميتها ؛ ومنها نافلة الصيام ، والله المستعان .
إخواني القراء : إذا كانت ليالي رمضان العظيمة التي تغفر فيها السيئات وترفع فيها الدرجات ، وتستجاب فيها الدعوات ، فقيام ليالي العام لن تنتهي ما دام في العمر بقية ؛ كيف وقد قال الله تعالى : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا الإسراء : 79 وقال صلى الله عليه وسلم : يا أيُّها النَّاسُ أفشوا السَّلامَ، وأطعِموا الطَّعامَ، وصِلوا الأرحامَ، وصلُّوا باللَّيلِ، والنَّاسُ نيامٌ، تدخلوا الجنَّةَ بسَلامٍ رواه ابن ماجه في سننه ؛ وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه برقم 2648 فلنحرص على قيام الليل في سائر ليالي العام كما حرصنا على القيام في ليالي رمضان ؛ والله لا يضيع أجر من أحسن عملا .
معاشر القراء : إذا مرَّ علينا شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ؛ والذي تسابقنا فيه على كثرة التلاوة ، والتدبر لآياته ، وقراءة تفسيره ، وختمه في رمضان عدة ختمات ؛ ابتغاء ثواب الله وفضله ، فقراءته ، وتدبر آياته ، وحفظ ما تيسر منه في سائر أيام وليالي العام لا تنقطع ، ولا تنتهي بانتهاء رمضان ؛ كيف وقد قال الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ _ فاطر : 29 – 30 _ وقال صلى الله عليه وسلم : خَيرُكُم مَن تَعَلَّمَ القُرآنَ وعَلَّمَه رواه البخاري في صحيحه .
معاشر القراء : إذا كانت الصدقة مستحبةٌ في شهر رمضان ؛ لأنَّ الرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس ، وأجود ما يكون في رمضان ؛ فالجود والبذل والعطاء لا يتوقف بانقضاء رمضان ؛ بل هو مستمرٌ في سائر العام ؛ لأن الله تعالى يقول : وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ *وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ _ المنافقون : 10 – 11 _ وقال صلى الله عليه وسلم : كلُّ امرئٍ في ظِلِّ صَدَقَتِه حتى يُقْضَى بين الناسِ_ رواه أحمد في مسنده ؛ وصححه الألباني في صحيح الترغيب برقم 872 .
إخواني القراء : إذا كانت صلة الرحم والأقارب مأمورا بصلتها في الأعياد خاصةً فالصلة للأرحام لا تنتهي في سائر الأزمان عامة ؛ فالصلة لهم بالزيارة تارةً أو بالصدقة عليهم تارةً أخرى ، أو بقضاء حاجاتهم ، أو بغيرها من صور الصلة للأقارب ، وأعظم الأقارب حقاً ، وأوجبهم صلةً ؛ هما الوالدان ، ثمَّ الأقرب فالأقرب منك نسباً ؛ كيف وقد قال الله تعالى : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا _ الإسراء : 23 – 24
وقال تعالى : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ _محمد : 22 – 23 _
وهكذا العبد المسلم يتعبد الله بأنواع القربات بعد رمضان من واجباتٍ ، ومستحبات ؛ لأنَّ العبادة لا منتهى لها إلاَّ بالموت ؛ ، وصدق الله إذ يقول : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ _الحجر : 99 _ وقال صلى الله عليه وسلم : اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ : شَبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ ، وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ ، وحَياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ _ رواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب برقم 3355 نسأل الله أن يقبل صيامنا وقيامنا ودعاءنا وتلاوتنا وسائر الأعمال ، وأن يعيينا على ذكره وشكره وحسن عبادته ؛ حتى نلقاه ، وهو راضٍ عنا غير غضبان ؛ وأن يعيدنا من شرور أنفسنا ؛ ومن سيئات أعمالنا ؛ إنَّه ولي ذلك والقادر عليه ؛ اللهم آمين .



