من قسوة الطفولة إلى جفاف الأمومة

بقلم: د. هنيدة بنت نزيه قدوري
تعجبت كثيرًا أثناء نقاشي مع مجموعة من الأمهات اللاتي يعانين من عدم القدرة على منح الحنان والحب لأبنائهن؛ لأنهن لم يجدن حبًا من أمهاتهن ولا دعمًا ولا اهتمامًا ولا احتضانًا، ويشعرن وكأنهن مكروهات من أمهاتهن، وهذا الشعور غالبًا ما يتشكل من معاملة مختلفة، أو انتقاد مستمر، وعدم تقبّل ، وأفعال قد تبدو خالية من الحب والتعاطف والاحترام، وكلمات جارحة وقاسية تترك أثرها العميق في النفس، إضافة إلى ندرة اللحظات العائلية الدافئة، فكل ذلك قد يؤدي إلى فجوة نفسية وتباعد عاطفي شديد بين الأم وأبنائها، وقد يكون هذا التباعد نتيجة اختلاف الشخصيات، أو نتيجة قسوة من الأم في أسلوب التربية ، وهذه من أصعب التحديات النفسية التي يواجهها الأبناء ، لكن هذه القسوة غالبًا لا تأتي من فراغ، فهي في كثير من الأحيان قناع يخفي خلفه خوفًا أو ألمًا عميقًا، وقد تنشأ نتيجة عدة عوامل،
من أهمها:
-ضغوط حياتية كبيرة تؤثر في قدرتها على التعامل بهدوء واتزان.
-المبالغة في حماية الأبناء والقلق الزائد على مستقبلهم.
-مشكلات نفسية لم تُعالج بشكل صحيح.
– اتباع أنماط تربوية صارمة موروثة من البيئة الأسرية.
-تجارب طفولة صعبة أو مؤلمة تركت أثرها العاطفي العميق.
وقد أشارت كثير من الدراسات النفسية إلى أن الإنسان غالبًا ما يعيد إنتاج ما عاشه في طفولته، فالأم التي لم تتلقَّ الحب والاحتضان قد تجد نفسها – دون وعي – تعيد نمط القسوة والجفاف العاطفي ذاته مع أبنائها لأنها لم تتعلم كيف يُعطى الحب أصلاً، وهكذا تتشكل دائرة من الجفاف العاطفي تنتقل من جيل إلى جيل، وهذه الدائرة يمكن الخروج منها من خلال الوعي بهذه المشكلة ، فحين تدرك الأم أثر طفولتها على سلوكها العاطفي تستطيع أن تبدأ رحلة التعافي، وأن تتعلم كيف تُعبر عن الحب والاهتمام، حتى وإن كان ذلك بخطوات صغيرة: ابتسامة صادقة، احتضان دافئ، أو قضاء وقت نوعي مع الأبناء، أو كلمة تقدير محفزة ، أو حوار هادئ يعوض ساعات طويلة من الصمت العاطفي.
كما أن على الأبناء – حين يدركون هذه الجوانب – أن يحاولوا تفهّم مشاعر الأم وتقدير ما قدمته من تضحيات، وأن يتحلوا بالصبر والحكمة في التعامل معها، وأن يبادروا بالتعبير عن الحب والامتنان لها، وبناء جسور تواصل عاطفي أكثر دفئًا، وفي بعض الحالات قد يكون اللجوء إلى المختصين خطوة مهمة؛ للمساعدة في بناء علاقات أسرية أكثر صحة وتوازنًا.
وفي النهاية تبقى الأم المصدر الأول للأمان النفسي، والمرآة التي يرى الأبناء من خلالها قيمتهم في هذا العالم، ويؤكد ذلك قول الأديب الروسي ليو تولستوي ” كل ما أعرفه عن الأخلاق تعلمته من أمي ” فالأم هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الرحمة ولغة الحب وجمال الإنسانية.



