مقالات

تفريج كربة مسلم… بين النص النظامي ونبض الضمير

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي 

في حياتنا اليومية، لا تمر بنا المعاملات والطلبات مرورًا عابرًا؛ بل تمر عبر ضمائرنا قبل أن تمر عبر أنظمتنا.

كم من إنسانٍ يقف أمام مكتبٍ أو نافذةٍ أو شاشةٍ إلكترونية، يحمل في قلبه همًّا أثقل من الأوراق التي بيده؟ وكم من موظفٍ يملك مفتاح التيسير، لكنه يختار أن يغلق الباب بحجة: “النظام لا يسمح”؟

نعم… النظام وُضع لتنظيم الحقوق، لا لتعطيلها.

وُضع لضبط العدالة، لا لخنق الرحمة.

وما كان يومًا حاجزًا أمام إنسانٍ يستحق التيسير، بل إن كثيرًا من الأنظمة فيها من المرونة ما يسمح بالتفسير، والتوجيه، والبحث عن مخرج نظامي كريم يحفظ الكرامة قبل أن ينفذ الإجراء.

قال رسول الله ﷺ:

«من نفّس عن مؤمن كربةً من كُرَب الدنيا، نفّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة».

لم يقل: إن كانت الكربة كبيرة فقط.

ولم يقل: إن كان صاحبها غنيًا أو صاحب منصب.

بل جعل المعيار إنسانيًا خالصًا: كربة… ومؤمن.

المؤلم اليوم أن البعض لا ينظر إلى حاجة السائل، بل إلى راتبه.

لا ينظر إلى ظرفه، بل إلى كشف حسابه.

كأن قيمة الإنسان تُقاس برقمٍ في مسيّر الرواتب!

يقال له:

_ “راتبك قليل… لا نخدم الرواتب القليلة.”

_ “أنتِ ليس لديك دخل كافٍ.”

_ “راجعي لاحقًا.”

وخلف هذه العبارات قلوبٌ تنكسر، ونساءٌ يخرجن وهنّ يحملن مذلة السؤال بدل أن يحملن كرامة الخدمة.

وأيّ مذلةٍ أشد من أن تُقابل الحاجة بنظرة استعلاء؟

الطمع حين يتسلل إلى النفوس، يجعل الإنسان يرى نفسه أعلى من غيره.

والجشع حين يستقر في القلب، ينسينا أن الأرزاق بيد الله، وأن المنصب مؤقت، وأن الكرسي لا يدوم لأحد.

كم من صاحب راتبٍ عالٍ أصبح في لحظةٍ بلا وظيفة!

وكم من ضعيفٍ رفعه الله لأن قلبه كان رحيمًا!

تفريج الكرب لا يحتاج مالًا دائمًا، أحيانًا يحتاج فقط:

_ كلمة طيبة

_ بحثًا جادًا عن حل

_ اتصالًا يسهل إجراء

_ اجتهادًا في تفسير مادة نظامية بروحٍ عادلة

_ الفرق بين موظفٍ وآخر ليس في الصلاحية…

بل في النية.

هناك من يبحث عن “كيف أُنجز؟”

وهناك من يبحث عن “كيف أرفض؟”

وهنا يُختبر الإنسان.

تذكر دائمًا: اليوم أنت خلف المكتب، وغدًا قد تكون أمامه.

اليوم بيدك التوقيع، وغدًا قد تحتاج توقيعًا.

فاختر أن تكون بابًا يُفتح، لا حاجزًا يُغلق.

اختر أن تكون سببًا في دعوةٍ صادقةٍ في جوف الليل، لا في دمعةٍ مكتومةٍ خلف بابٍ موصد.

تفريج كربة مسلم ليس فضلًا… بل شرف.

وليس خسارة وقت… بل استثمارًا في الآخرة.

وكل معروفٍ تصنعه، سيعود إليك يومًا… في وقتٍ أنت أحوج ما تكون إليه.

فلنُحيِ في قلوبنا معنى الرحمة قبل اللوائح،

ولنجعل النظام خادمًا للعدل… لا سيفًا على رقاب الضعفاء

 

اقلام لا تجف

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬