يوم التأسيس… حين يصبح التاريخ وعدًا للمستقبل

بقلم: محمد المنتشري
في مثل هذا اليوم من كل عام، لا نحتفل بتاريخٍ مضى فحسب، بل نستحضر قصة وطنٍ كُتبت فصولها بالعزم، وسُطِّرت سطورها على رمالٍ عرفت معنى الثبات قبل أن تعرف معنى الازدهار. يوم التأسيس ليس ذكرى عابرة في رزنامة الأيام، بل هو لحظة وعيٍ متجددة تُذكرنا بأن لهذه الأرض جذورًا ضاربة في عمق التاريخ، وأن ما نعيشه اليوم من أمنٍ ورخاء هو امتدادٌ طبيعي لرحلة بدأت منذ قرون.
إنها حكاية وطنٍ آمن بفكرته قبل أن تتشكل حدوده، وبقيمه قبل أن تُشاد مؤسساته. حكاية قيادةٍ أدركت أن الاستقرار ليس صدفة، وأن الوحدة لا تُمنح بل تُصنع بالصبر والحكمة. في يوم التأسيس، نتأمل البدايات الأولى، حين كانت الإرادة أقوى من التحديات، وحين كان الهدف واضحًا: بناء دولةٍ راسخة تقوم على العدل، وتحمي هويتها، وتمنح
أبناءها شعور الانتماء.
يوم التأسيس هو يوم الاعتزاز بالهوية السعودية؛ تلك الهوية التي تشكلت من مزيجٍ فريد من القيم العربية الأصيلة، والعمق الإسلامي، وروح المسؤولية. هو يوم نستعيد فيه ملامح الماضي لنفهم الحاضر، ونستلهم منه ملامح المستقبل. فمن عرف تاريخه جيدًا، سار إلى غده بثقةٍ أكبر، وخطا خطواته وهو مدركٌ أن خلفه إرثًا عظيمًا يسانده.
لسنا أبناء صدفةٍ جغرافية، بل أبناء فكرةٍ توارثناها جيلًا بعد جيل: فكرة الدولة التي تحمي الإنسان، وتصون كرامته، وتفتح له أبواب الطموح. في هذا اليوم، لا نحتفي بالحجارة ولا بالمباني، بل نحتفي بالقيم التي بُني عليها هذا الوطن؛ قيم الشجاعة، والوفاء، والتكاتف، والإيمان بأن المستقبل يُصنع بالعمل.
كل مواطنٍ على هذه الأرض يحمل في داخله صفحةً من قصة التأسيس. في عمله وإخلاصه، في حبه لوطنه، في حرصه على سمعته، في التزامه بقوانينه. فالتأسيس لم يكن لحظةً وانتهت، بل مسيرةٌ مستمرة تتجدد في كل إنجاز، وفي كل مبادرة، وفي كل نجاحٍ يُرفع به اسم المملكة عاليًا.
وفي يوم التأسيس، نقف بإجلالٍ أمام الرجال الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية البداية، وأمام الأجيال التي حافظت على الأمانة، وأمام الشباب الذين يصنعون اليوم فجرًا جديدًا برؤيةٍ طموحة وثقةٍ لا تعرف المستحيل. نُجدِّد العهد بأن نبقى أوفياء لهذه الأرض، وأن نكون على قدر ما قدّمته لنا من خير.
هذا اليوم ليس مجرد احتفالٍ بالماضي، بل هو وعدٌ للمستقبل. وعدٌ بأن تبقى رايتنا عالية، وأن يظل وطننا شامخًا، وأن نستمر في كتابة فصلٍ جديد من فصول المجد، عنوانه: وطنٌ تأسس بالعزم… ويستمر بالإيمان والعمل.
كل عامٍ والسعودية قصةُ فخرٍ لا تنتهي، وكل يوم تأسيس ونحن أكثر وعيًا بقيمة ما نملك، وأكثر إصرارًا على أن نحفظه وننميه، ليبقى وطننا كما كان دومًا: دار عزٍّ وأمان، وموطن حلمٍ يتحقق.



