Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

ندم أعظم من الذنب

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي

قصة ماعز بن مالك رضي الله عنه… حين عاد قلبٌ منكسر إلى رحمة الله

ليست كل القلوب التي أذنبت قلوبًا مات فيها الإيمان، ولا كل النفوس التي تعثرت في طريق الحياة فقدت طريق العودة إلى الله. فهناك من يذنب ثم ينام مطمئنًا، وهناك من يذنب فلا يهدأ له قلب، ولا تسكن له روح، حتى يعود إلى ربه يحمل وجع الندم وصدق التوبة.

وفي عهد رسول الله ﷺ، عاش رجل اسمه ماعز بن مالك الأسلمي رضي الله عنه، لم يكن معصومًا من الخطأ، فقد وقع في ذنب عظيم، لكن قلبه لم يستطع أن يتعايش مع ما اقترفت يداه.

جاء إلى رسول الله ﷺ معترفًا بذنبه، فلم يتعجل النبي ﷺ في أمره، بل أعرض عنه مرة بعد أخرى، وتثبت من حاله وحقيقة اعترافه. وفي ذلك مشهد عظيم من الرحمة والحكمة؛ فلم يكن رسول الله ﷺ يبحث عن عثرات الناس، ولا يتعجل في مؤاخذتهم، بل كان أرحم الناس بالناس.

ومع إصرار ماعز على اعترافه، وبعد التثبت من أمره، أُقيم عليه الحد.

لكن القصة لم تنتهِ عند تلك اللحظة؛ فقد بقي فيها درس أعظم من أن تحيط به الكلمات.

فقد تحدث بعض الصحابة عن ماعز وما وقع فيه، وجاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ أثنى على توبته، وقال:

«لقد تاب توبةً لو قُسمت بين أمة لوسعتهم».

يا الله… ما أعظمها من شهادة!

رجل وقع في ذنب عظيم، ثم كانت توبته من الصدق والعظمة حتى أثنى عليها رسول الله ﷺ بهذا الثناء!

وهنا نقف أمام حقيقة تهز أعماق الروح: نحن البشر كثيرًا ما نتوقف عند خطيئة الإنسان، بينما قد يكون الله قد فتح له بتوبته أبوابًا من الرحمة لا نعلم عنها شيئًا.

كم من إنسان نحكم عليه بماضيه، وننسى أن بينه وبين الله دموعًا لم نرها، وسجدات لم نشهدها، وندمًا أذاب قسوة قلبه، ودعوات خرجت من أعماقه في ظلمة الليل!

وكم من إنسان نحسبه بعيدًا عن الله، وهو أقرب إليه بانكساره من آخر اغتر بطاعته!

إن قصة ماعز لا تدعونا إلى كشف الذنوب أو طلب العقوبة، بل تذكرنا بعظمة التوبة، وبأن الستر نعمة، وأن من وقع في معصية فباب التوبة بينه وبين ربه مفتوح، دون أن يفضح نفسه أمام الناس.

وتعلمنا ألا نكون قضاة على أرواح الآخرين، فنحن نرى ظاهر الأفعال، لكننا لا نرى ما يحدث في القلوب حين تختلي بربها.

فلا تُعيّر تائبًا بماضيه، ولا تكسر قلبًا يحاول العودة، ولا تجعل من خطيئة إنسان عنوانًا لحياته كلها.

قد تكون أنت الذي لم يسقط في تلك المعصية، لكنه سبقك إلى الله بدمعة صادقة، وقلب خاشع، وتوبة نصوح.

ويا من أثقلتك الذنوب، وأتعبتك الذكريات، وظننت أن الطريق إلى الله قد أُغلق في وجهك، تذكر قوله تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53].

لا تجعل ماضيك سجنًا لروحك، ولا تسمح لليأس أن يقنعك بأنك لا تستحق رحمة الله. عد إليه بقلبك، أصلح ما استطعت، ورد الحقوق إلى أهلها، واستغفره بصدق، فإن رحمته أوسع من ذنوب عباده جميعًا.

وفي ختام هذه القصة، يبقى السؤال الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا، لا لغيرنا:

كم مرة سترنا الله ونحن نخطئ؟ وكم مرة أمهلنا ونحن نغفل؟ وكم بابًا من أبواب رحمته ما زال مفتوحًا لنا ونحن نتردد في العودة؟

اللهم لا تجعلنا ممن يستعظمون ذنوب الآخرين وينسون ذنوبهم، ولا ممن يقنطون من رحمتك، واجعل لنا من كل عثرة توبة، ومن كل ندم مغفرة، ومن كل انكسار قربًا إليك.

فالعبرة ليست بأن الإنسان لم يسقط يومًا، بل بأن يعرف طريق العودة إلى الله كلما تعثر، وأن يلقى ربه بقلب لا يزال يرجو رحمته.

المصدر: صحيح مسلم، كتاب الحدود، في روايات قصة ماعز بن مالك رضي الله عنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬