حين تنطفئ الأضواء… يبقى الوطن

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
في الليلة التي تنتهي فيها الاحتفالات، وتخفت أصوات الأناشيد، وتُطفأ الأضواء التي زيّنت الشوارع، ويعود الناس إلى بيوتهم بعد يوم امتلأ بالأعلام والفرح، يبقى سؤال واحد يستحق أن نتوقف أمامه: هل انتهى حضور الوطن بانتهاء المناسبة؟ الوطن الذي نحبه أكبر من يوم، وأعمق من نشيد، وأبقى من صورة نرفعها ثم نطويها؛ لأنه يعيش في تفاصيلنا الصغيرة، وفي الضمير الذي يراقب أفعالنا حين تغيب الكاميرات وتنتهي الاحتفالات.
من السهل أن نقول: نحب الوطن، لكن السؤال الأصعب هو: ماذا فعلنا لأجله؟ فالوطن ليس أرضًا نعيش فوقها فقط، بل أمانة نعيش من أجلها. هو الموظف الذي يفتح بابًا لمراجع بدل أن يغلق أمامه أبواب الإجراءات، والمعلم الذي يرى في طلابه مستقبل هذا البلد، والطبيب الذي يرى في المريض إنسانًا قبل أن يراه رقمًا، ورجل الأمن الذي يسهر بينما تنام المدن مطمئنة، والعامل الذي يتقن مهمته، والأم التي تزرع في أبنائها الصدق والانتماء، والشاب الذي يختار أن يبني بدل أن ينتقد.
هناك أوطان تُبنى بالإسمنت، وأوطان أعظم تُبنى بالإنسان. وليست الوطنية أن نكثر الحديث عنها، بل أن نقلل ما يؤذيها؛ أن نحترم النظام ولو لم يراقبنا أحد، ونحافظ على الطريق كما نحافظ على بيوتنا، ونحمي المال العام كما نحمي أموالنا، وننجز معاملة إنسان لأن خلف الورقة حياة تنتظر، ونؤمن أن كل موقع نعمل فيه، مهما بدا صغيرًا، قطعة من هذا الوطن الكبير. الوطن لا يحتاج منا جميعًا إلى أعمال خارقة؛ يحتاج إلى أن يقوم كل واحد منا بواجبه بإخلاص.
ربما لا تستطيع بناء مدينة، لكنك تستطيع ألا تفسد شارعًا، وقد لا تستطيع تغيير مؤسسة كاملة، لكنك تستطيع أن تكون الموظف الذي لا يظلم أحدًا، وقد لا تملك قرارًا كبيرًا، لكنك تملك كلمة قد تعيد لإنسان أمله. وهكذا تُصنع الأوطان؛ بتراكم التفاصيل الصغيرة التي يظن أصحابها أنها لا تُرى. نحتفل بوطننا لأننا نفخر بتاريخه، لكن أجمل الوفاء لهذا التاريخ أن نصنع له مستقبلًا يليق به. مدن تتغير، ومشروعات تنمو، وأجيال تتعلم، ونساء ورجال يفتحون مجالات جديدة، ووطن يتقدم بخطوات يعرف العالم صداها؛ غير أن المشاريع مهما عظمت لا تكفي وحدها، فالمدينة الذكية تحتاج إنسانًا واعيًا، والاقتصاد القوي يحتاج موظفًا أمينًا، والتقنية الحديثة تحتاج ضميرًا حيًا، والمستقبل لا تصنعه الأبراج العالية وحدها، بل تصنعه القيم العالية.
ولهذا فإن أجمل احتفال بالوطن ألا نسأل فقط: ماذا قدّم لنا الوطن؟ بل أن نسأل أنفسنا بشجاعة: ماذا قدّمنا نحن له؟ هل تركنا في مواقعنا أثرًا يجعل من يأتي بعدنا يقول: مرّ من هنا إنسان أحب وطنه؟ هل جعلنا حياة أحدهم أسهل؟ هل حللنا مشكلة بدل أن نضيف أخرى؟ هل حفظنا مرفقًا؟ هل أنصفنا إنسانًا؟ هل أدينا عملنا كما ينبغي حتى عندما لم يكن هناك من يراقبنا؟ هذه الأسئلة ربما تكون أكثر وطنية من ألف خطاب. فالوطن لا يقيس حبنا بعدد العبارات التي نكتبها عنه، بل بمقدار الأثر الذي نتركه فيه. وحين يكون شعارنا «عزّنا بطبعنا»، فإن أجمل ما نقدمه لهذا الشعار أن يتحول من كلمات تُكتب إلى أخلاق تُرى؛ أن يكون الكرم طبعًا، والإتقان طبعًا، والوفاء طبعًا، والشجاعة طبعًا، والرحمة بالناس طبعًا.
فما قيمة أن نفتخر بوطن عظيم إذا لم نكن جديرين بعظمته؟ الوطن ليس حكومة وحدها، ولا مؤسسة وحدها، ولا مسؤولًا وحده؛ الوطن أنا وأنت، والطفل في مدرسته، والمعلم في فصله، والجندي في موقعه، والطبيب في مستشفاه، والمهندس في مشروعه، والموظف خلف مكتبه، وكل إنسان قرر أن يكون وجوده إضافة لا عبئًا.
ومن هنا يبدأ الفرق بين من يسكن الوطن، ومن يسكن الوطن فيه. قد يعيش الإنسان سنوات طويلة فوق أرض وطنه ولا يترك له شيئًا، وقد يمر شخص في موقع صغير سنوات قليلة ثم يترك أثرًا لا يُنسى. فالوطن لا يسأل عن حجم المنصب، بل عن حجم الأمانة. وفي نهاية كل احتفال، حين تعود الشوارع إلى هدوئها، وتختفي الزينة وتتوقف الأغاني، هناك شيء واحد يجب ألا ينطفئ: شعورنا بالمسؤولية تجاه هذه الأرض. الأعلام ستُطوى، لكن الأمانة لا تُطوى، والأضواء ستنطفئ، لكن العمل يجب ألا ينطفئ، والاحتفالات ستنتهي، لكن رحلة البناء لا تنتهي. نحن لا نحتاج إلى يوم وطني حتى نتذكر الوطن؛ بل نحتاج أن نجعل كل يوم في أعمالنا يومًا يليق به. فحب الوطن ليس أن تضع يدك على قلبك حين تسمع نشيده فقط، بل أن تضع ضميرك أمامك حين تعمل لأجله.
وقد لا يتذكر الوطن أسماءنا جميعًا، وقد لا تُكتب قصصنا في الكتب، لكن يكفينا أن تمر آثارنا في طرقه ومدارسه ومؤسساته وقلوب أبنائه، وأن نقول لأنفسنا يومًا: مررنا من هنا… ولم نترك الوطن كما وجدناه؛ تركناه أجمل. وإذا أردت يومًا أن تعرف مقدار وطنية إنسان، فلا تسأله كم مرة قال: أحب وطني، بل انظر ماذا أضاف إليه.




