مقالات

الجوكر في المنظمات

إنني لم أقل شيئًا بعد ...!

بقلم: د. مشاعل الغفيلى

بقلم: د. مشاعل الغفيلى

بعض ما نكتبه يشق علينا أن “نلملمه”, ونلم به:

——————————————————–

في بعض أروقة المنظمات الحكومية، ثمة ورقة لا تظهر في الهيكل التنظيمي، ولا تُذكر في أدلة الإجراءات، ولا تجد لها وصفًا في خطط التعاقب الوظيفي إنها «ورقة الجوكر» ذلك الاسم الذي ينتقل من منصب إلى آخر، ومن لجنة إلى أخرى، ومن ملف إلى ملف، حتى يخيل للمتابع أن الساحة قد خلت من الكفاءات، وأن لسان الحال يردد المثل القديم «ما في البلد إلا هذا الولد»!

وإذا أردنا أن نقيم الوزن بالقسط ولا نُخسر الميزان، فالمسألة ليست اعتراضًا على كفاءة شخص، ولا انتقاصًا من صاحب تجربة أو إنجاز؛ فقد يكون «الجوكر» كفؤًا فعلًا، وجديرًا بما أُسند إليه. لكن الإشكالية تبدأ حين تتحول الثقة في كفاءة فرد إلى عجز عن رؤية كفاءة غيره، وحين يصبح الاسم المألوف هو الخيار الأسهل كلما شغر منصب او قيادة أو ظهر ملف جديد.

عندي خبر يقين 

—————–

لعلي لا اتجاوز إذا قلت إن بعض القيادات قد تصنع «الجوكر الإداري» من حيث لا تشعر تفتح أمامه المسار تلو الآخر، وتمنحه فرصًا متتابعة، ثم تتساءل لاحقًا لماذا لا يظهر غيره؟ نتحدث عن تمكين الكفاءات، واكتشاف المواهب، والتعاقب الوظيفي، وإعداد قيادة الصف الثاني ثم حين تحين ساعة الاختيار نعود إلى القائمة ذاتها. وهنا تبدأ دائرة يصعب كسرها فالشخص الذي يحصل على الفرصة الأولى يكتسب خبرة تؤهله للثانية، والثانية توسع حضوره ومعرفته وعلاقاته، ثم تصبح هذه الخبرة المتراكمة في ذاتها مبررًا لاختياره مرة أخرى. وفي المقابل، تبقى أسماء أخرى خارج دائرة التجربة، ثم حين تأتي المفاضلة يُقال عنها «تنقصها الخبرة».

ولكن من أين تأتي الخبرة إذا كانت أبواب اكتسابها لا تُفتح إلا لمن سبق له الدخول؟

حين تتراكم الفرص لدى شخص بعينه، لا يعود الفارق في السيرة المهنية انعكاسًا للكفاءة وحدها، بل يصبح أيضًا انعكاسًا لتفاوت الفرص. وهنا تظهر المفارقة نصنع الفارق، ثم نستشهد به لتبرير استمرار الاختيار ذاته.

ولا يعني ذلك أن الخبرة ينبغي أن تُهمّش، أو أن الاسم المجرب يجب أن يُستبعد لمجرد أنه تكرر فالخبرة قيمة، والثقة مهمة. لكن المنظمة التي لا تبحث إلا داخل دائرة من تعرفهم قد تفوّت عليها معرفة من لم تختبرهم بعد. فكم من قائد محتمل بقي في الصفوف الخلفية لا لقصور في قدرته، وإنما لأنه لم يحصل أصلًا على المساحة التي تكشف تلك القدرة.

الحجر والنهر 

—————

من يرمي حجر الأسئلة ويحرك النهر …؟

ثمة جانب آخر أقل ظهورًا لكنه لا يقل أهمية وهو الصمت الذي قد ينشأ حول هذه الظاهرة. يرى الموظفون تكرار بعض الأسماء، لكن كثيرًا منهم يتحاشى السؤال «لماذا هو مرة أخرى؟» لأن الاعتراض على الآلية قد يُفهم اعتراضًا على الشخص، والسؤال عن عدالة الترشيح قد يُفسر غيرة أو حساسية أو تشكيكًا في كفاءة أحد.

ومع الوقت يصبح الصمت أكثر أمانًا من السؤال، ويتحول المألوف إلى عرف، ثم يصبح العرف حجة «لقد جرّبناه من قبل، نعرفه، يعرف العمل، ولدينا ثقة فيه».

لكن غياب السؤال لا يعني غياب الملاحظة، والصمت لا يعني بالضرورة الاقتناع. فالذي يتكرر طويلًا أمام الناس لا يعود خافيًا، وما كان يُتداول همسًا في الممرات قد يتحول مع الوقت إلى سؤال مشروع عن عدالة الفرص، وجودة التعاقب الوظيفي، وكفاءة منظومة اكتشاف المواهب. فالناس قد تصمت طويلًا… لكنها ترى.

وترى كذلك أن كل فرصة تُمنح في اتجاه واحد تترك في الاتجاه الآخر سؤالًا معلقًا من لم يدخل دائرة الترشيح أصلًا؟ ومن كان يمكن أن ينجح لو مُنح فرصة التجربة؟ وهل عُرف الأكفأ فعلًا، أم عُرف الأكفأ من بين الأسماء التي اعتدنا النظر إليها؟

الجوكر من كونه حالة فردية إلى مؤشر مؤسسي

————————————————————-

قد تكون قرارات الاختيار والترشيح قائمة في أصلها على الثقة وحسن التقدير، لكن حسن التقدير وحده لا يكفي لضمان عدالة الفرص. فالقرار البشري، مهما بلغت موضوعيته، قد يتأثر بالألفة، والتجربة السابقة، وشبكات العلاقات، والميل الطبيعي إلى الاسم المألوف. ولهذا لا تترك المنظمات الناضجة الاختيار للاجتهاد الشخصي وحده، بل تحيطه بمعايير واضحة، وتوسع قاعدة المرشحين، وتجعل المفاضلة قابلة للتفسير، وتربط التدوير الوظيفي بخطط حقيقية للتعاقب واكتشاف القيادات. فالضوابط ليست تعبيرًا عن انعدام الثقة، بل حماية للقرار نفسه من أن يصبح أسيرًا لدائرة محدودة من الأسماء.

فتح الطريق أمام أسماء جديدة لا يعني إقصاء أصحاب الخبرة، كما أن إعداد البدائل لا ينتقص من قيمة القيادات القائمة. المنظمة القوية هي التي تحتفظ بخبراتها، لكنها لا تحتكر الخبرة في أشخاصها؛ تستفيد ممن نجح، وفي الوقت نفسه تصنع من يستطيع أن ينجح بعده.

أما المنظمة التي يرتبك أداؤها إذا غاب شخص واحد، فإن نجاح ذلك الشخص لا ينبغي أن يحجب سؤالًا أكثر أهمية ماذا يكشف غيابه عن متانة النظام المؤسسي؟ وهنا تحديدًا ينتقل الجوكر من كونه حالة فردية إلى مؤشر مؤسسي. فالمشكلة ليست في أن يتكرر اسم لأنه كفؤ، وإنما في أن يصبح تكراره هو القاعدة، وأن تتحول خبرته المتراكمة إلى سبب دائم لإعادة اختياره، بينما تضيق فرص الآخرين في الدخول إلى الدائرة نفسها.

لماذا وهل؟ تكاشفوا تَصحّوا.

———————————

لماذا تتغير الأماكن وتبقى الأسماء؟ ولماذا حين يظهر ملف جديد نبحث أولًا عمّن نعرفه، لا عمّن يعرف الملف؟ ولماذا نشكو من ضعف الصف الثاني بينما لا نوفر له ما يكفي من فرص الصف الأول؟

وهل لدينا فعلًا ندرة في الكفاءات، أم أننا صنعنا شيئًا من هذه الندرة حين ضيقنا دائرة البحث، ووسعنا دائرة الثقة في الأسماء ذاتها؟ وهل إعادة تدوير الأسماء، وضعف التعاقب الوظيفي، وضيق دوائر الترشيح، وتراكم الفرص لدى أشخاص بعينهم… مشكلات منفصلة؟ أم أنها أوراق مختلفة في اللعبة نفسها؟

من وجهة نظر محايدة الرابط بينها أوضح من أن يُتجاهل هي ليست ظواهر منفصلة، بل حلقات في دائرة واحدة. هل هذا ما كنتُ أود أن أقوله.. وهل هذا يكفي؟ إنني لم أقل شيئاً بعد، أما كيف صُنعت «ورقة الجوكر»، ولماذا لا تزال تنتقل من يد إلى أخرى اتركها معلّقة على جدار العدالة.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬