مقالات

بين خطأ التائب واستكبار الطاغية

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي

ليست كلُّ الحقائق تُهزم بالسلاح،

بعضها يُهزم حين يُعاد ترتيب الرواية…

وحين يصبح المجرمُ خطيبًا،

ويُدفع صاحبُ الحق إلى زاوية الدفاع عن نفسه.

تأمّلوا المشهد جيدًا…

موسى عليه السلام، ذلك النبي الذي امتلأ قلبه رحمةً وإنسانية، وقع منه قتلٌ بالخطأ، لم يكن قاتلًا متعمدًا، ولم يكن صاحبَ دمٍ أو طغيان، بل كان يدافع عن مظلومٍ ضعيف، فانفلتت الضربة دون قصد، فارتجف قلبه قبل أن ترتجف يداه، وقال بصدق المكسور:

﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾.

أيُّ قلبٍ هذا الذي لا يحتمل خطأً واحدًا؟

وأيُّ روحٍ تلك التي ترى الذنب جبلًا وإن كان بغير عمد؟

وفي الجهة الأخرى…

كان فرعون يغرق الأرض بالدم، يقتل الأطفال، ويستعبد الناس، ويُرعب القلوب، ويطغى حتى ظنّ أن الكون خُلق لأجله.

ومع ذلك، لم يقف يومًا معتذرًا، لم تهتز روحه ندمًا،

ولم يقل: أخطأت.

لكن حين واجه موسى، لم يتحدث عن جرائمه، ولم يشرح للناس لماذا امتلأت الطرقات بالخوف في عهده، بل أمسك حادثةً واحدة من ماضي موسى، ورفعها أمام الناس كأنها الحقيقة الوحيدة:

“وفعلت فعلتك التي فعلت!”

هكذا يعمل الباطل دائمًا…

لا يبرّئ نفسه، بل يشوّه خصمه.

لا يغسل يديه من الدم، بل يبحث عن غبارٍ على ثوب الطاهرين.

إنها لعبة قديمة تتكرر في كل زمان؛

حين يعجز الظالم عن تجميل صورته، يبدأ بتلويث صورة غيره.

وحين يفقد الحجة، يرفع صوته.

وحين ينهار منطقه، يصنع من زلّة عابرة قضيةً كبرى لينسى الناس أصل الحكاية.

كم من شخصٍ صادق أُرهق بتبرير موقفٍ واحد،

بينما أصحاب الجرائم الحقيقية يمشون بثقةٍ فوق المنابر!

وكم من إنسانٍ أخطأ ثم ندم، فظلّ الناس يطاردونه بخطئه،

في الوقت الذي يُصفّق فيه البعض لمن لم يعرف الندم يومًا.

الفرق ليس في أن البشر يخطئون أو لا يخطئون…

فالخطأ من طبيعة الإنسان، لكن الفارق الحقيقي بين قلبٍ يعرف الانكسار أمام الله،

وقلبٍ يتضخم حتى يرى نفسه فوق الحق والحساب.

موسى أخطأ فبكى واستغفر…

وفرعون أجرم فتكبّر وتجبّر.

وبين دمعة التائب وكبرياء الطاغية،

يتجلّى ميزان السماء الذي لا تخدعه الضوضاء ولا الإعلام ولا تصفيق الجموع.

فالحق لا يُقاس بمن يصرخ أكثر، ولا بمن يملك المنصات الأعلى، بل بمن يملك قلبًا حيًا…

إذا أخطأ عاد، وإذا ظلم خاف، وإذا وقف أمام الله انكسر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬