عند مفترق الطرق… حيث لا تبقى الأشياء كما كانت

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي
عند مفترق الطرق… لا نكون وحدنا كما نظن، بل نصحب معنا كل ما عشناه، كل ما وثقنا به، وكل ما ظنناه ثابتًا لا يتغيّر. هناك، في تلك اللحظة الفاصلة، تتكشّف الأشياء على حقيقتها؛ بعضها يبقى كما هو، صامدًا في وجه الريح، وبعضها يتلاشى بصمت، كأنه لم يكن يومًا جزءًا منّا.
عند مفترق الطرق تخوننا الأشياء التي ظنناها سندًا، لا لأنها سيئة، بل لأنها لم تُخلق لتبقى إلى الأبد. نخسر وجوهًا ألفناها، وأماكن اعتدناها، وأحلامًا رسمناها ببراءة الطفولة. تلك الطفولة التي كانت ترى العالم بسيطًا، واضحًا، لا يحمل هذا القدر من التعقيد ولا هذا الكم من الاختيارات المؤلمة. كنا نظن أن الطريق واحد، وأن من نحب سيبقى، وأن ما نتمناه سيحدث… دون أن نُدرك أن الحياة لا تسير على وعدٍ واحد.
وفي زحام تلك اللحظة، تتداخل الذكريات؛ ضحكات الأمس، وخيبات اليوم، وأحلام الغد التي لم تتشكل بعد. نشعر وكأننا نُسحب من داخلنا، بين ما نعرفه ونألفه، وبين ما نجهله ونخشاه. هناك، يصبح القرار أكثر من مجرد اختيار… يصبح مواجهة صادقة مع الذات: من نحن؟ وماذا نريد؟ وما الذي نستحق أن نحمله معنا، وما الذي حان وقت تركه؟
ليست كل الخيبات نهاية، وليست كل الخسارات ضعفًا. أحيانًا، يكون انكسارنا هو الباب الوحيد للنضج، وتكون الخيانة التي نشعر بها من الأشياء أو الأشخاص، مجرد درس قاسٍ يعيد ترتيب قلوبنا، ويعلّمنا أن الاتكاء الحقيقي لا يكون إلا على أنفسنا أولًا، ثم على ما يستحقنا بصدق.
عند مفترق الطرق، لا تُقاس قوة الإنسان بما يملك، بل بما يستطيع أن يتركه خلفه دون أن يفقد نفسه. هناك، نتعلم أن بعض الذكريات تُحفظ لا لتُعاد، بل لتُحترم… وأن بعض الأشخاص يُحبّون في قلوبنا، لكن لا مكان لهم في طريقنا القادم.
ورغم كل هذا الثقل… يظل في داخلنا شيء خفي، يشبه الضوء، يدفعنا للمضي. ربما هو بقايا الأمل، أو صوت الطفولة التي ما زالت تؤمن أن الحياة، رغم ألمها، تستحق أن تُعاش.
عند مفترق الطرق، لا نخسر الحياة… نحن فقط نعيد اختيارها.



