مقالات

عند الغروب يبدأ التأمل.. ومع الشروق يولد الطموح

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

ليست العظمة في كثرة الكلمات، ولا في صخب المجالس، بل في أن يكون الإنسان موطنَ طمأنينةٍ لمن حوله؛ حضوره راحة، وكلامه سكينة، وغيابه يُشعر الناس بقيمة ما كان يتركه من أثر. فبعض الأشخاص لا يلفتون الأنظار بضجيجهم، بل يتركون في الأرواح هدوءًا يشبه دعاء الأم، وطمأنينة تشبه أول خيطٍ من نور الصباح.

أن تكون “قويّ مساءً وأخفي بالصبح مطامحي” ليس مجرد وصفٍ للهدوء، بل فلسفة حياةٍ كاملة؛ أن تحمل في داخلك من العزم ما يجعلك ثابتًا في ظلمات الأيام، ومن الحكمة ما يجعلك تخفي أحلامك حتى تنضج، فلا تستهلكها في الحديث قبل أن تُترجمها الأفعال. فالأقوياء حقًا لا يكثرون من إعلان نواياهم، لأنهم يدركون أن الإنجاز حين يتحدث، يصمت أمامه الجميع.

في المساء، حين يهدأ العالم وتخفت الأصوات، يظهر معدن الإنسان الحقيقي؛ هناك من ينهار أمام وحدته، وهناك من يتحول سكون الليل عنده إلى ورشة بناءٍ لأفكاره، ومراجعةٍ لأهدافه، ومحاسبةٍ لنفسه. الأقوياء لا يخافون العزلة، لأنهم يعلمون أن أعظم النجاحات وُلدت في لحظات الصمت، وأن الأحلام الكبيرة تحتاج إلى عقولٍ تتأمل أكثر مما تتحدث.

أما مع الصباح، فليست كل الطموحات تُقال، ولا كل الأمنيات تُروى. بعض الأحلام أجمل حين تُخفى حتى تثمر، لأن الإعلان المبكر عنها قد يعرّضها لحسد الحاسدين أو إحباط المثبطين أو حتى لفتور صاحبها نفسه. لذلك كان النبلاء يتركون أعمالهم تُعرّف بهم بدلًا من أن يسبقهم الكلام. فليس كل ما يُخطط له يُحكى، وليس كل ما يُحكى يُنجز.

الحياة علمتنا أن الضجيج لا يصنع قيمة، وأن أكثر الناس حديثًا عن إنجازاتهم غالبًا أقلهم فعلًا، بينما العظماء الحقيقيون يمشون بهدوء، يعملون بصمت، ويتركون أثرهم يتحدث عنهم دون حاجةٍ لتعريف. هم أولئك الذين إذا سُئلت عنهم الأيام قالت: مرّوا من هنا وغيّروا الكثير دون أن يطلبوا تصفيقًا.

فاجعل من قوتك سكينة، ومن طموحك سرًا بينك وبين الله، ومن عملك حديثًا يسبق اسمك. لا تستعجل الإعلان عن ما تنوي فعله، بل استعن بالكتمان حتى يكتمل البناء، ثم دع النتائج تتحدث نيابةً عنك. فالعبرة ليست بمن قال “سأفعل”، بل بمن فعل حتى صار فعله حديث الناس.

فأجمل الطموحات تلك التي تُخفى حتى تُزهر، وأعظم الشخصيات تلك التي تُعرف بأثرها لا بصوتها.

 

وضوحٌ لا يعرف التكرار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬