مقالات

التواضع

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لانبي بعده ، وعلى آله وصحبه ، ومن تبعهم باحسان ؛ ثمَّ أمَّا بعد :

معاشر القراء الكرام : من الأخلاق الطيبة التي رغبنا ربنا فيه في كتابه العزيز ، ورسولنا الأمين صلى الله عليه وسلم في سنته خلق التواضع؛ قال الله تعالى : – وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ – الشعراء : 215 وقال تعالى : – وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا – الإسراء : 37 – وقال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ – المائدة : 54 – قال الإمام ابن كثير رحمه الله : – هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه . ومما يدل أيضاً على خصلة التواضع قول الله تعالى : – فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ – الحج : 34 – وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ – قال قتادة بن دعامة رحمه الله : – المخبتين : المتواضعين . كما قاله الإمام الطبري في تفسيره ؛ وقال تعالى عن خصلة التواضع : – تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ – القصص : 83 – قال الإمام ابن كثير رحمه الله : – يخبر تعالى أنَّ الدار الآخرة , ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول ، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين ، الذين لا يريدون علوًّا في الأرض ؛ أي ترفُّعًا على خلق الله ، وتعاظمًا عليهم ، وتجبُّرًا بهم ، ولا فسادًا فيهم .
ومما ورد في السنة المطهرة في الحث على خصلة التواضع ؛ ما جاء في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : – إنَّ الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحدٍ ، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ – وفي صحيح مسلمٍ أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : – ما نقصت صدقة من مالٍ ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا ، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله – وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : – لو دعيت إلى ذراعٍ أو كراعٍ لأجبت ، ولو أهدي إلي ذراعٌ أو كراعٌ لقبلت – الكراع : ما دون الكعب من الدابة ، وهو قليل اللحم . وفي سنن الترمذي من حديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ترك اللباس تواضُعًا لله ؛ وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها – إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على خصلة التواضع .
وإليك أخي القارئ الكريم بعض أقوال السلف الصالح التي تبين معناه ، وتحث على صفة التواضع التي دعا إليها ديننا الإسلامي أهل الإيمان ؛ منها ما جاء في قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه : – وجدنا الكرم في التقوى ، والغنى في اليقين ، والشرف في التواضع . وقالت عائشة رضي الله عنها : – إنَّكم لتغفلون عن أفضل العبادة التواضع – وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : – من تواضع لله تخشُّعًا ، رفعه الله يوم القيامة ، ومن تطاول تعظُّمًا ، وضعه الله يوم القيامة – وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه : – لا يبلغ عبدٌ ذرى الإيمان حتى يكون التواضُع أحبَّ إليه من الشرف – وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه لجرير بن عبدالله رضي الله عنه : – يا جرير تواضع لله ؛ فإنَّه من تواضع لله في الدنيا رفعه الله يوم القيامة – قال لقمان الحكيم رحمه الله لابنه : يا بني تواضع للحقِّ تكن أعقل الناس – وسئل يوسف بن أسباط رحمه الله : – ما غاية التواضع؟ قال : أن لا تلقى أحدًا إلا رأيت له الفضل عليك – وقال إبراهيم بن الأشعث رحمه الله : سألت الفضيل عن التواضع ؛ قال : التواضع أن تخضع للحق وتنقاد له ، ولو سمعته من صبي قبلته منه ، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته منه – وقال كعب الأحبار رحمه الله : ما أنعم الله على عبدٍ من نعمة في الدنيا فشكرها لله ، وتواضع بها لله ؛ إلا أعطاه نفعها في الدنيا ، ويرفع الله له بها درجةً في الآخرة ، وما أنعم الله على العبد من نعمةٍ في الدنيا فلم يشكر لله ، ولم يتواضع بها لله ، إلا منعه الله نفعها في الدنيا ، وفتح له طبقًا من النار ، يعذبه إن شاء ، أو يتجاوز عنه – وقال عبدالله بن المبارك رحمه الله : رأس التواضع أن تضع ، نفسك عند من هو دونك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أن ليس لك بدنياك عليه فضل ، وأن ترفع نفسك عمن هو فوقك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أنه ليس له بدنياه عليك فضل – وقال قتادة بن دعامة رحمه الله : – من أعطي مالًا أو جمالًا وثيابًا وعلمًا ؛ ثم لم يتواضع كان عليه وبالًا يوم القيامة – وقال الحسن البصري رحمه الله : التواضع أن تخرج من منزلك فلا تلق مسلمًا إلا رأيت له عليك فضلًا –
وقال الشافعي رحمه الله: التواضع من أخلاق الكرام، والتكبُّر من أخلاق اللئام – وقال يحيى بن كثير رحمه الله : – رأس التواضع ثلاث : أن ترضى بالدون من شرف المجلس ، وأن تبدأ من لقيته بالسلام ، وأن تكره المدحة ، والسمعة ، والرياء بالبر – .
إخواني القراء : كم في التواضع من فوائد غير ما ذكر ؛ ومنها على سبيل الإجمال لا التفصيل :
١– أنَّ التواضع خلقٌ كريمٌ من أخلاق عباد الله تعالى المؤمنين .
٢– أنَّ التواضع هو الطريق إلى مرضاة الله سبحانه ، وإلى جنته .
٣– أنَّ التواضع هو السبيل إلى القرب من الله تعالى ، ثم القرب من الناس .
٤– أنَّ التواضع عنوان سعادة المسلم في الدنيا والآخرة .
٥– أنَّ الله تعالى يحب المتواضعين ، ويشملهم برعايته .
٦– أنَّ المتواضعين آمنون من عذاب الله تعالى يوم القيامة .
٧– أنَّ التواضع دليلٌ على حسن الخاتمة ، وعلى حسن الخلق .
٨– أنَّ التواضع يؤدي إلى حصول النصر والبركة في المال والعمر ؛ انظر موسوعة نضرة النعيم جـ4 صـ1268 .
نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى ، وصفاته العلا ؛ أن يجعلنا وإياكم من المتواضعين ؛ الذين لا خوفٍ عليهم ، ولا هم يحزنون ؛ اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، واجعلنا من الراشدين . اللهم آمين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬