من الفكرة إلى المشكلة البحثية دليل الباحث لاكتشاف المشكلة العلمية واختيارها وفق معايير منهجية .

بقلم : د. عبير علي بدوي
يُعد تحديد مشكلة البحث العلمي من أهم الخطوات وأكثرها صعوبة في مسيرة البحث العلمي، إذ تمثل نقطة الانطلاق التي تُبنى عليها بقية مراحل البحث وإجراءاته. فنجاح الباحث في اختيار مشكلة واضحة ومحددة وذات أهمية علمية وعملية يسهم بدرجة كبيرة في جودة البحث، ويزيد من فرص الوصول إلى نتائج تسهم في تفسير الظواهر ومعالجة المشكلات وتطوير المعرفة.
ولا يقتصر تحديد مشكلة البحث على ملاحظة وجود موقف أو ظاهرة تستدعي الدراسة، بل يتطلب فحص الحالة بصورة عامة، وإدراك وجود حاجة حقيقية إلى البحث والتحليل، وصولاً إلى تقديم تفسير علمي أو اقتراح حلول مناسبة. ومن هنا تبرز أهمية التعرف على مفهوم مشكلة البحث، ومصادر الحصول عليها، والمعايير التي ينبغي مراعاتها عند اختيارها.
أولاً: مفهوم مشكلة البحث العلمي
يمكن النظر إلى مشكلة البحث العلمي من زوايا متعددة، فهي ليست بالضرورة مشكلة قائمة تتطلب حلاً عاجلاً، وإنما قد تكون موقفاً غامضاً أو ظاهرة غير مفسرة أو علاقة علمية تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتحليل.
وتُعرَّف مشكلة البحث بأنها موقف غامض لا يتوافر له تفسير محدد، أو حاجة لم تتم تلبيتها، أو عقبة تحول دون إشباع حاجة معينة. كما يمكن أن تكون ظاهرة تستدعي التفسير، أو قضية علمية موضع خلاف، أو موقفاً علمياً أو علاقة أو مفهوماً يحتاج إلى البحث والدراسة من أجل التوصل إلى حقائق ومعارف جديدة.
ومن منظور أكثر شمولاً، يمكن تعريف مشكلة البحث بأنها: وضع أو مجموعة من الظروف التي توجد فيها فجوة بين الحالة الراهنة (الموجودة) والحالة المرغوب في الوصول إليها، الأمر الذي يستدعي إجراء دراسة علمية لفهم هذه الفجوة وتفسير أسبابها أو تحديد سبل معالجتها.
ويُفهم من ذلك أن مشكلة البحث لا تقتصر على المشكلات السلبية، بل تشمل أيضاً فرص التطوير والتحسين، والأسئلة العلمية التي تستدعي التحقق والاختبار.
ثانياً: التحديد العام لمشكلة البحث
يقصد بالتحديد العام لمشكلة البحث فحص الحالة أو الموضوع بصورة شاملة، بهدف إدراك وجود حاجة إلى إجراء بحث علمي، وتحديد المجال الذي يمكن أن تنطلق منه الدراسة.
وقد تنتمي مشكلات البحث إلى عدد من المجالات، من أبرزها:
• المشكلات الإدارية الحالية: وهي المشكلات الفعلية التي تواجه المؤسسات والشركات أثناء إجراء البحث، وتحتاج إلى دراسة أسبابها واقتراح الحلول المناسبة لها.
• فرص التحسين والتطوير: وهي الحالات التي لا تعاني فيها المؤسسة من مشكلة فعلية في الوقت الحاضر، إلا أن المديرين يدركون وجود فرص وإمكانات لتحسين الأداء ورفع الكفاءة والفاعلية.
• المجالات النظرية والعلمية: وهي المجالات التي تظهر فيها الحاجة إلى توضيح نظرية قائمة، أو اختبار افتراضاتها، أو تطويرها وبنائها بصورة أكثر دقة وشمولاً.
• الأسئلة البحثية الميدانية: وهي الحالات التي يسعى فيها الباحث إلى الإجابة عن سؤال علمي من خلال جمع البيانات الميدانية وتحليلها، انطلاقاً من اهتمامه بموضوع معين ورغبته في فهمه.
وبذلك يتضح أن مشكلة البحث قد تنشأ من واقع عملي يحتاج إلى معالجة، أو من فرصة تطويرية، أو من فجوة معرفية ونظرية تستدعي البحث والاستقصاء.
ثالثاً: مصادر الحصول على مشكلة البحث
لا يتوقف الوصول إلى مشكلة بحثية جيدة على مصدر واحد، بل يمكن للباحث الاستفادة من مصادر متعددة تساعده على اكتشاف المشكلات وتحديد الموضوعات الجديرة بالدراسة. ومن أهم هذه المصادر:
• الخبرة العملية للباحث: إذ تساعد الخبرات والتجارب المهنية والمواقف العملية التي يمر بها الباحث على اكتشاف مشكلات واقعية تستحق الدراسة.
• القراءة والاطلاع: تسهم القراءة المستمرة للكتب والمراجع والدوريات العلمية في توسيع مدارك الباحث، والتعرف على الموضوعات الحديثة والقضايا التي تحتاج إلى مزيد من البحث.
• الدراسات والأبحاث السابقة: تمثل البحوث المنشورة مصدراً مهماً لاكتشاف الفجوات البحثية، والنتائج المتعارضة، والتوصيات التي تشير إلى ضرورة إجراء دراسات مستقبلية.
• رسائل الماجستير والدكتوراه: تتيح الرسائل العلمية فرصة التعرف على المشكلات التي سبق تناولها، والموضوعات التي لم تحظَ بالدراسة الكافية، والمقترحات البحثية التي يمكن تطويرها.
• مناقشة الأساتذة والباحثين المتخصصين: تساعد الحوارات العلمية مع ذوي الخبرة على بلورة الأفكار البحثية وتحديد المشكلات المناسبة، والاستفادة من التوجيهات والخبرات الأكاديمية.
• المؤتمرات العلمية المتخصصة وورش العمل: توفر هذه الفعاليات فرصة للاطلاع على المستجدات العلمية والتحديات المهنية، والتعرف على القضايا التي تشغل الباحثين والممارسين في مختلف التخصصات.
رابعاً: معايير اختيار مشكلة البحث العلمي
يُعد اختيار مشكلة البحث قراراً مهماً يتطلب الموازنة بين قدرات الباحث وإمكاناته من جهة، وأهمية المشكلة وقيمتها العلمية والمجتمعية من جهة أخرى. ويمكن تصنيف معايير الاختيار إلى مجموعتين رئيسيتين:
1. المعايير الذاتية
ترتبط هذه المعايير بشخصية الباحث وخبرته وإمكاناته وميوله العلمية، وتشمل ما يلي:
• اهتمام الباحث: ينبغي أن تكون المشكلة محل اهتمام حقيقي لدى الباحث، لأن الرغبة في دراستها تساعده على الاستمرار وبذل الجهد اللازم لإنجاز البحث.
• قدرة الباحث: يجب أن تتناسب المشكلة مع مستوى الباحث العلمي وخبراته ومهاراته البحثية والمنهجية.
• توفر الإمكانات المادية: ينبغي مراعاة التكاليف المالية اللازمة لإجراء الدراسة، ومدى قدرة الباحث على توفيرها.
• توفر المعلومات: يتعين التأكد من إمكانية الوصول إلى المراجع والبيانات والمصادر اللازمة لدراسة المشكلة.
• المساعدة الإدارية: في البحوث التي تتطلب التعامل مع المؤسسات والمنظمات، ينبغي التأكد من إمكانية الحصول على الموافقات والتسهيلات الإدارية اللازمة.
2. المعايير الاجتماعية والعلمية
ترتبط هذه المعايير بأهمية المشكلة وفائدتها العملية والعلمية، ومدى انعكاس نتائج البحث على المجتمع وتقدم المعرفة. ومن أبرزها:
• الفائدة العملية للبحث: ينبغي أن تسهم الدراسة في معالجة مشكلة واقعية، أو تقديم حلول وتوصيات قابلة للتطبيق، أو تحسين الممارسات القائمة.
• المساهمة في تقدم المعرفة: يُفضل أن تضيف الدراسة معرفة جديدة، أو تختبر نتائج سابقة، أو تقدم تفسيراً علمياً لظاهرة لم تحظَ بالاهتمام الكافي.
• إمكانية تعميم النتائج: ينبغي النظر في مدى إمكانية الاستفادة من نتائج الدراسة وتطبيقها على مجتمعات أو مؤسسات أو حالات مشابهة، وفقاً لطبيعة البحث ومنهجيته.
• المساهمة في تنمية بحوث أخرى: تزداد قيمة المشكلة البحثية عندما تفتح المجال أمام دراسات مستقبلية، أو تثير تساؤلات علمية جديدة، أو تساعد على تطوير نماذج ونظريات قائمة.
خامساً: قابلية مشكلة البحث للدراسة العلمية
إلى جانب المعايير الذاتية والاجتماعية والعلمية، ينبغي أن تتصف مشكلة البحث بقابليتها للدراسة والبحث العلمي؛ فليست كل قضية أو مسألة تصلح لأن تكون موضوعاً لبحث علمي بالمعنى المنهجي.
وتتطلب قابلية المشكلة للبحث إمكانية تحديدها وصياغتها بصورة واضحة، وإمكانية جمع البيانات والمعلومات المرتبطة بها، واستخدام مناهج وأدوات علمية مناسبة لدراستها وتحليلها.
وفي المقابل، فإن بعض القضايا الأخلاقية والدينية والفلسفية المجردة قد لا تكون قابلة للاختبار التجريبي المباشر، وإن كان من الممكن دراسة جوانبها التاريخية أو الاجتماعية أو الفكرية باستخدام مناهج علمية مناسبة.
ومن المهم أيضاً أن يختار الباحث مشكلة تقع ضمن مجال تخصصه، وأن يمتلك معرفة علمية جيدة بموضوعها؛ لأن ذلك يساعده على فهم أبعادها وتحديد متغيراتها واختيار المنهج الملائم لدراستها.
سادساً: أسئلة تساعد على تقييم جودة مشكلة البحث
قبل اعتماد مشكلة البحث بصورة نهائية، من الضروري أن يخضعها الباحث لمجموعة من التساؤلات التي تساعده على تقييم جودتها وأهميتها وإمكانية تنفيذها. ومن أبرز هذه التساؤلات:
• هل تعالج المشكلة موضوعاً حديثاً أم أنها تكرر موضوعاً سبق تناوله دون إضافة علمية واضحة؟
• هل يُتوقع أن تسهم الدراسة في تقديم إضافة علمية أو معرفية جديدة؟
• هل صيغت المشكلة بعبارات واضحة ومحددة وخالية من الغموض؟
• ما المتغيرات التابعة التي تتضمنها مشكلة البحث؟
• ما المتغيرات المستقلة التي يمكن أن تؤثر في المتغيرات التابعة؟
• ما طبيعة العلاقة المتوقعة بين متغيرات الدراسة؟ وهل هي علاقة تأثير أم ارتباط أم مقارنة؟
• ما الحدود الموضوعية والمكانية والزمانية والبشرية لمشكلة البحث؟
• هل المشكلة صالحة للدراسة والبحث وفقاً للمناهج العلمية المناسبة؟
• هل تتوافر المراجع والمصادر الأساسية التي يحتاج إليها الباحث؟
• هل يمكن الحصول على البيانات المتعلقة بمتغيرات الدراسة؟
• هل يمتلك الباحث الفهم الكافي والقدرات والمهارات العلمية والمنهجية اللازمة لدراسة المشكلة؟
• هل يمكن إنجاز البحث في الوقت المحدد وفي ضوء الإمكانات المتاحة؟
وتساعد الإجابة عن هذه التساؤلات على تجنب اختيار موضوعات واسعة أو غامضة أو يصعب تنفيذها، كما تتيح للباحث تقييم مدى ملاءمة المشكلة لأهدافه وإمكاناته ومتطلبات البحث العلمي.
يتضح مما سبق أن اختيار مشكلة البحث العلمي ليس مجرد خطوة إجرائية تسبق إعداد خطة البحث، بل هو قرار علمي ومنهجي يمثل الأساس الذي تقوم عليه الدراسة بأكملها. فكلما كانت المشكلة واضحة ومحددة وذات أهمية علمية وعملية، وكانت قابلة للدراسة في ضوء الإمكانات والموارد المتاحة، زادت فرص نجاح البحث وتحقيق أهدافه.
كما أن الوصول إلى مشكلة بحثية جيدة يتطلب من الباحث الجمع بين الخبرة العملية والاطلاع العلمي ومراجعة الدراسات السابقة والاستفادة من آراء المتخصصين، مع مراعاة المعايير الذاتية والعلمية والاجتماعية عند الاختيار.
وعليه، فإن الباحث المتميز ليس هو من يختار موضوعاً واسعاً أو جذاباً فحسب، وإنما هو من يستطيع اكتشاف فجوة معرفية أو مشكلة واقعية، وصياغتها بصورة علمية دقيقة، وتحديد أبعادها ومتغيراتها وحدودها، ثم معالجتها باستخدام منهج علمي مناسب، بما يؤدي إلى نتائج تضيف قيمة حقيقية للمعرفة وتسهم في تطوير الواقع العملي.




