Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

السعودية لا تحتاج إلى مشاريع أكثر فقط… بل إلى مشاريع تصنع اقتصاد المستقبل

بقلم: أشواق سليمان قاسم

بقلم: أشواق سليمان قاسم

ماذا لو وصلنا إلى ملايين المشاريع، لكن القليل منها استطاع أن يتحول إلى شركة كبيرة، أو يبتكر منتجًا جديدًا، أو ينافس في الأسواق العالمية؟

هل يكفي حينها أن نحتفل بارتفاع عدد المنشآت؟ أم أن السؤال الاقتصادي الأهم يجب أن يكون: كم مشروعًا استطعنا تحويله من فكرة صغيرة إلى قيمة اقتصادية مستدامة؟

هذا السؤال لم يعد مجرد تساؤل نظري، بل أصبح أكثر أهمية مع صدور الاستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال والمنشآت الص

غيرة والمتوسطة لعام 2026، التي أعدتها الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت»، في إطار مستهدفات رؤية السعودية 2030.

لقد حققت المملكة تقدمًا لافتًا في بناء منظومة ريادة الأعمال. ووفقًا للاستراتيجية، ارتفع عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة من 1.14 مليون منشأة في عام 2022 إلى 1.76 مليون منشأة في عام 2025، بنمو بلغ نحو 54%.

لكن الرقم الذي استوقفني أكثر من غيره هو أن 4.5% فقط من المنشآت الصغيرة والمتوسطة تُصنّف منشآت عالية النمو.

وهنا تبدأ القضية الحقيقية.

فنحن لا نواجه سؤالًا عن القدرة على تأسيس المشاريع فحسب، بل عن القدرة على مساعدتها على النمو والتوسع والاستمرار.

من كثرة المشاريع إلى قوة المشاريع

لا شك أن زيادة عدد المنشآت مؤشر مهم على ا

تساع النشاط الاقتصادي وتنامي ثقافة ريادة الأعمال.

لكن عدد السجلات والمشاريع لا يكشف وحده عن قدرتها على تحقيق الإنتاجية أو الابتكار أو التوسع.

فقد يبدأ رائد الأعمال مشروعًا ناجحًا في مدينته، لكنه يجد صعوبة في الوصول إلى مدن أخرى.

وقد يمتلك منتجًا مبتكرًا، لكنه لا يعرف كيف يحوله إلى نشاط تجاري قابل للنمو.

وقد يحقق مبيعات جيدة، لكنه يفتقر إلى الخبرات الإدارية أو التقنية أو التمويلية التي تمكنه من الانتقال إلى مرحلة أكبر.

ولهذا أرى أن المرحلة القادمة تتطلب تغيير السؤال الذي نطرحه عند تقييم نجاح منظومة ريادة الأعمال.

بدلًا من أن نسأل فقط:

كم مشروعًا جديدًا تأسس؟

علينا أن نسأل أيضًا:

كم مشروعًا نما؟ وكم مشروعًا رفع إنتاجيته؟ وكم مشروعًا استطاع دخول سوق جديدة؟

فالاقتصاد القوي لا يُبنى بكثرة المشاريع وحدها، وإنما بقدرتها على خلق قيمة مضافة وفرص عمل واستثمارات مستدامة.

الاستراتيجية تكشف التحديات… ولا تكتفي بالإنجازات

من أهم ما لفت انتبا

هي في الاستراتيجية الوطنية أنها لا تكتفي باستعراض ما تحقق، بل تتناول التحديات التي ما زالت تواجه رواد الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.

ومن أبرزها محدودية الوصول إلى التمويل، ونقص المواهب المتخصصة، وضعف توافر بيانات الأسواق اللازمة لاتخاذ القرارات، وارتفاع تكاليف ممارسة الأعمال، وضعف تبني التقنيات الرقمية لدى بعض المنشآت.

وهذه التحديات مترابطة.

فرائد الأعمال الذي لا يمتلك بيانات كافية عن السوق قد يتخذ قرارًا استثماريًا غير مناسب.

والمنشأة التي لا تستطيع الوصول إلى المواهب المتخصصة قد تتأخر في تطوير منتجاتها.

والمشروع الذي لا يوظف التقنية بصورة فعالة قد ترتفع تكاليفه التشغيلية، وتتراجع قدرته على المنافسة.

ولذلك أعتقد أن دعم ريادة الأعمال يجب ألا يتوقف عند تسهيل تأسيس المشروع، بل ينبغي أن يمتد إلى مساعدته على اتخاذ القرارات الصحيحة، والوصول إلى الخبرات، وتحسين الإنتاجية، والتوسع في الأسواق.

الخوف من الفشل… تحدٍ يبدأ قبل تأسيس المشروع

هناك رقم آخر في الاسترا

تيجية يستحق التأمل.

فبحسب البيانات التي تستعرضها الوثيقة، يرى 61% أن الخوف من الفشل يشكل عائقًا أمام بدء مشروع ريادي.

وهذا الرقم يطرح سؤالًا مهمًا:

هل يحتاج رائد الأعمال إلى التمويل فقط، أم يحتاج قبل ذلك إلى المعرفة والثقة والتوجيه؟

من واقع تجربتي في التعليم وريادة الأعمال، أرى أن كثيرًا من الأفكار قد لا تصل إلى مرحلة التنفيذ، ليس بالضرورة لأنها غير مجدية، وإنما لأن أصحابها لا يمتلكون المعرفة الكافية بكيفية اختبارها أو تحويلها إلى نموذج عمل.

وقد يخشى البعض خسارة المال، بينما يخشى آخرون الفشل الاجتماعي أو الدخول في مجال لا يمتلكون فيه الخبرة.

وهنا أعتقد أن تنمية الثقافة الريادية يجب أن تبدأ مبكرًا، من المدرسة والجامعة، وألا تقتصر على تعريف الطلاب بمفهوم المشروع التجاري.

بل ينبغي أن تشمل مهارات حل المشكلات، والتفكير النقدي، ودراسة السوق، والإدارة المالية، والتجريب، والتعلم من الإخفاق.

فالمجتمع الذي يريد رواد أعمال قادرين على الابتكار، يحتاج أولًا إلى تعليم يصنع أشخاصًا قادرين على

المبادرة واتخاذ القرار.

هل نحتاج إلى حاضنات للمشاريع أم إلى مجتمعات للمعرفة؟

هنا أصل إلى فكرة أراها من أهم الفرص التي يمكن أن تدعم مستقبل ريادة الأعمال.

لقد تحدثت في مقالات سابقة عن المجتمعات الرقمية، وعن قدرتها على نقل الإنسان من مجرد متابع للمحتوى إلى عضو يشارك في إنتاج المعرفة والقيمة.

وأعتقد أن هذا النموذج يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في معالجة بعض التحديات التي تواجه رواد الأعمال.

فتخيل مجتمعًا رقميًا متخصصًا يجمع أصحاب المشاريع الناشئة مع الخبراء والمستشارين والمطورين والمستثمرين والجهات الداعمة والعملاء المحتملين.

رائد أعمال يحتاج إلى دراسة سوق، فيجد من يوجهه إلى المصادر والمنهجيات المناسبة.

وصاحبة مشروع تبحث عن شريك تقني، فتتعرف إلى متخصص يشاركها الاهتمام.

ومنشأة صغيرة تريد دخول سوق جديدة، فتستفيد من خبرات منشآت سبقتها.

وشاب يمتلك فكرة مبتكرة، فيجد مجتمعًا يساعده على اختبارها قبل استثمار مبالغ كبيرة في تنفيذها.

وهكذا تتحول العلاقات الرقمية من مجرد تواصل إلى شبكة من المعرفة والفرص والتعاون الاقتصادي.

ولا أقصد أن المجتمعات الرقمية تستطيع أن تحل محل التمويل أو الحاضنات أو المسرعات أو الجهات التنظيمية.

بل أرى أنها يمكن أن تصبح عنصرًا مكملًا لهذه المنظومة، يساعد على تقليل تشتت المعرفة وتسهيل الوصول إلى الأشخاص والخبرات المناسبة.

الذكاء الاصطناعي… فرصة لزيادة الإنتاجية لا مجرد صناعة المحتوى

من التحديات التي تشير إليها الاستراتيجية ضعف تبني التقنيات الرقمية لدى بعض المنشآت، بما يحد من قدرتها على رفع الإنتاجية والتوسع.

وهنا أرى أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة اقتصادية تتجاوز الاستخدامات الشائعة في كتابة النصوص وتصميم الصور.

فيمكن للمنشآت توظيفه في تحليل بيانات المبيعات، وفهم سلوك العملاء، وتحسين خدمة المستفيدين، وأتمتة بعض العمليات المتكررة، ودعم التخطيط واتخاذ القرار.

لكن التقنية وحدها لا تضمن نجاح المشروع.

فشراء نظام ذكي لا يعني بالضرورة ارتفاع الإنتاجية، كما أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي دون بيانات موثوقة أو مهارات مناسبة قد يؤدي إلى قرارات غير دقيقة.

ولهذا فإن التحول الرقمي الحقيقي يجب أن يرتبط بثلاثة عناصر:

المهارة، والبيانات، وقياس الأثر.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه رائد الأعمال ليس: هل استخدمت الذكاء الاصطناعي؟

بل:

هل ساعدني استخدامه على تخفيض التكاليف، أو تحسين الجودة، أو زيادة المبيعات، أو توفير الوقت؟

فالتحول الرقمي الناجح لا يُقاس بعدد الأدوات المستخدمة، وإنما بالقيمة التي تضيفها إلى ال

مشروع.

من التعليم إلى الاقتصاد… أين تبدأ صناعة رائد الأعمال؟

بحكم تجربتي الطويلة في الميدان التعليمي، أرى أن العلاقة بين التعليم وريادة الأعمال أعمق مما نتصور.

فالطالب الذي يتعلم كيف يبحث عن حل لمشكلة، ويختبر فكرة، ويعمل ضمن فريق، ويعرض مشروعه، ويتعامل مع النتائج، يكتسب مهارات يمكن أن تتحول مستقبلًا إلى قدرات ريادية.

ومن هنا تأتي أهمية بناء بيئات تعليمية ومجتمعات معرفية تسمح بتبادل الخبرات والتجارب بين الطلاب والمعلمين والمتخصصين ورواد الأعمال.

وهذه إحدى القناعات التي انطلقت منها رؤيتي لمشروع «مجتمع علم الرقمي»؛ مجتمع تعليمي سعودي نسعى من خلاله إلى ربط أصحاب المعرفة بمن يحتاجون إليها، وتحويل التعلم من مجرد استهلاك للمحتوى إلى مشاركة وتفاعل وفرص للتطوير.

فإذا كنا نريد اقتصادًا يقوم على الابتكار، فلا بد أن نمنح الإنسان الفرصة ليكون مبتكرًا قبل أن نطالبه بتأسيس مشروع.

ريادة الأعمال لا تبدأ دائمًا عند إصدار السجل التجاري؛ فقد تبدأ بسؤال داخل فصل دراسي، أو فكرة في مجتمع معرفي، أو مشكلة قرر شاب أن يبحث لها عن حل.

مستهدفات 2030… من الطموح إلى النتائج

تضع الاستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة مستهدفات اقتصادية مهمة بحلول عام 2030، من بينها:

* رفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى 35% من الناتج المحلي الإجمالي.

* الإسهام في خلق أكثر من 500 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة.

* الوصول بالمملكة إلى المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر امتلاك المهارات والمعرفة الريادية.

وهذه المستهدفات تعكس أن الط

موح لا يتوقف عند زيادة عدد المنشآت، بل يمتد إلى تطوير قدراتها الاقتصادية والبشرية.

ومن وجهة نظري، فإن تحقيق أثر مستدام يتطلب أن تصبح متابعة نمو المشاريع وجودة أدائها جزءًا أساسيًا من تقييم نجاح المبادرات.

كم منشأة استطاعت رفع إنتاجيتها؟

وكم منشأة تمكنت من دخول أسواق جديدة؟

وكم مشروعًا تحوّل إلى شركة قادرة على المنافسة؟

وكم فرصة عمل مستدامة أُنشئت نتيجة هذا النمو؟

وكم رائد أعمال اكتسب المهارات التي يحتاج إليها للاستمرار؟

هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن عدد المشاريع الجديدة.

السعودية قادرة على صناعة شركات المستقبل

لقد قطعت المملكة شوطًا مهمًا في بناء بيئة داعمة لريادة الأعمال، وأصبحت الفرصة اليوم أكبر للانتقال من تأسيس المشاريع إلى تمكينها من النمو والتوسع.

لكنني أعتقد أن مستقبل ريادة الأعمال لن تصنعه برامج التمويل وحدها، ولا التقنية وحدها، ولا المبادرات الفردية وحدها.

بل سيصنعه التكامل بين التعليم والتمويل والتقنية والبيانات والمجتمعات المعرفية والأسواق.

فحين يمتلك رائد الأعمال المعرفة، ويصل إلى الخبرة المناسبة، ويجد التمويل الملائم، ويستخدم التقنية بوعي، ويستطيع اختبار مشروعه وتطويره، تصبح فرصته في بناء منشأة مستدامة أكبر.

وهنا أرى أن دورنا كرواد أعمال لا ينبغي أن يقتصر على الاستفادة من التحول الاقتصادي الذي تعيشه المملكة، بل أن نكون جزءًا من صناعته.

أن نبني مشاريع تحل مشكلات حقيقية.

وأن نبتكر منتجات وخدمات ذات قيمة.

وأن ننقل المعرفة.

وأن نخلق فرصًا للآخرين.

وأن نفكر في الأسواق العالمية منذ المراحل الأ

ولى لبناء مشاريعنا.

فالسعودية لا تحتاج إلى مشاريع أكثر فقط… بل إلى مشاريع تستطيع أن تكبر، وتبتكر، وتنافس، وتترك أثرًا اقتصاديًا مستدامًا.

وفي النهاية، لن يُقاس مستقبل ريادة الأعمال السعودية بعدد المشاريع التي نؤسسها وحده، بل بعدد المشاريع التي نُمكّنها من النمو، وبالمعرفة التي تحول الأفكار إلى اقتصاد منتج ومستدام.

أشواق سليمان قاسم

رائدة أعمال ومؤسسة مجتمع علم الرقمي

⸻

المصدر: الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت» – الاستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، 2026.

 

الأرقام الواردة في المقال مستندة إلى الوثيقة المرفقة:

1.76 مليون منشأة في 2025، مقارنة بـ1.14 مليون في 2022: الصفحة 11.

4.5% فقط منشآت عالية النمو، و61% يرون الخوف من الفشل عائقًا: الصفحة 14.

التحديات الاثنا عشر، بما فيها التمويل والمواهب وبيانات الأسواق والتبني الرقمي: الصفحة 15.

مستهدفات 2030: مساهمة 35% وأكثر من 500 ألف وظيفة والمرتبة الأولى في المهارات والمعرفة الريادية: الصفحة 18.

والأهم أن المقال لا يخلط بين ما أعلنته الاستراتيجية وبين رؤيتك الشخصية بشأن المجتمعات الرقمية والذكاء الاصطناعي والتعليم. كما يوضح أن أرقام عام 2030 مستهدفات مستقبلية وليست إنجازات تحققت بالفعل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬