حين جاء الحلم في موعدٍ لم أختره

بقلم الكاتبة :عبير بن صديق
بعض الأحلام لا تفقد بريقها حين تتأخر، بل يتغير معناها كلما تغيرنا، حتى إذا تحققت، وجدنا أننا لم نعد الأشخاص الذين تمنّوها أول مرة.
حين تخرجت من البكالوريوس في الاقتصاد المالي، كنت أرى في العلم أفقًا لا تحدّه حدود التخصص، وكنت أؤمن بأن العقل الذي يتعلم تحليل الأرقام وفهم العلاقات بين المتغيرات، يستطيع أن يعبر إلى ميادين معرفية أخرى، ما دام يملك أدوات التفكير والاستعداد للتعلم.
في ذلك الوقت، طُرحت فرص الماجستير للمرة الأولى في تخصصات متعددة داخل الكلية، فتقدمت واجتزت الاختبار، ووصلت إلى المقابلة الشخصية. وهناك، أوضحت عميدة الكلية، التي كان تخصصها في الأعمال، وبحضور دكتورة أخرى، أن من الصعب أن أدرس الماجستير في الأعمال وأنا خريجة اقتصاد. كان رأيها حاسمًا، وانتهت المقابلة برفض انضمامي.
خرجت من تلك التجربة وأنا أحمل خيبة لم أكن أعرف أنها سترافقني عقودًا. لم أكن أرى في الاقتصاد عائقًا أمام دراسة الأعمال، بل قاعدة تحليلية واسعة يمكن البناء عليها. لكنني كنت في بداية الطريق، ولم تكن لديّ آنذاك الخبرة التي تجعلني أرى كيف يمكن لقرار واحد أن يغيّر مسارًا، أو كيف يمكن للحياة أن تعيد فتح أبواب ظننا أنها أُغلقت إلى الأبد.
لم يكن يؤلمني الرفض وحده، بل أن فرصة كنت أستعد لها بكل ما أملك من أمل انتهت قبل أن أختبر قدرتي على خوضها. ولم أكن أعلم أنني سأحتاج إلى واحد وثلاثين عامًا حتى أعود إلى مقاعد الدراسات العليا، لا لأستكمل الطريق الذي انقطع فحسب، بل لأفهم أن بعض الطرق لا تعود إلينا بالصورة التي تمنيناها، وإنما بمعنى أعمق مما تصورنا.
ثلاثون عامًا من الانتظار والعمل؛ التحقت بالوظيفة الحكومية في زمن كان الحصول فيه على وظيفة إدارية أمرًا بالغ الصعوبة. كانت وظيفتي في البداية على بند مؤقت لا يسمح لي بالتقدم للدراسات العليا، واستمر ذلك أكثر من أربعة عشر عامًا، حتى تحولت الوظائف إلى رسمية.
لم أتخلَّ عن حلمي خلال تلك السنوات. كنت أبحث عن جامعة لا تشترط موافقة جهة العمل، أو برنامج يُتاح عن بُعد، أو فرصة تتناسب مع ظروفي الوظيفية وإمكاناتي المادية. استمر البحث تسع سنوات أخرى، بين فرصة لا تناسبني، وظرف لا يسمح، وباب لا يفضي إلى ما أريد.
وحين أُتيحت للموظفين فرصة الدراسة، كنت قد بلغت عمرًا أصبحت فيه خيارات القبول والتفرغ أكثر صعوبة. ومع ذلك، لم أتوقف عن المحاولة.
في أثناء ذلك، مضت حياتي بتفاصيلها الكاملة: عمل ومسؤوليات، وزواج وأمومة، وأبناء يحتاجون إلى الحضور والرعاية، وأيام لا تنتظر حتى نفرغ من أحلامنا. واصلت عملي، واكتسبت خبرة تجاوزت ثلاثة عقود، وتعلمت في مجالات مختلفة، وحصلت على شهادات ماجستير ودكتوراه عن بُعد، ودبلومات متعددة لم تكن معترفًا بها رسميًا. لذلك لم أقدمها بوصفها مؤهلات مهنية، ولم أتجرأ أن أصرح بها و أكيد لم أطلب بها استحقاقًا وظيفيًا؛ اكتفيت بما أضافته إلى معرفتي، لأن التعلم بالنسبة إليّ لم يكن يومًا محصورًا في الشهادة.
ومع مرور الوقت، أدركت أن الحلم لم يعد مجرد رغبة في الحصول على مؤهل، بل أصبح سؤالًا عن قدرتي على الاستمرار في النمو، رغم ما تفرضه الحياة من قيود، ورغم أن السنوات تمضي ولا تعود.
ثم جاءت الفرصة التي انتظرتها طويلًا.
قبل عامين، وبعد واحد وثلاثين عامًا من الخبرة العملية، أتاح تطور منظومة التعليم في وطني فرصة أوسع للتعلم المستمر، فتقدمت للماجستير في واحدة من أعرق جامعات الوطن الحكومية ، وجاءت الموافقة.
كان ذلك أكثر من قبول جامعي؛ كان استعادة لحق ظللت أبحث عنه طويلًا، وبداية فصل جديد في قصة ظننت أحيانًا أنها لن تُكتب.
لم أختر تخصصًا إداريًا هذه المرة، وهذه في حد ذاته مفارقة ، على الرغم من أن حياتي المهنية امتدت طويلًا في المجال الإداري والمالي. اخترت تخصصًا إنسانيًا يتعمق في العلاقات الإنسانية، والتوجيه، والإصلاح الاجتماعي والأسري.
أردت أن أقترب من الإنسان نفسه؛ من علاقاته، ومشكلاته، وطريقة فهمه لذاته وللآخرين. فبعد سنوات من التعامل مع الأرقام والأنظمة والإجراءات والقرارات، وجدت في العلوم الإنسانية مساحة لفهم ما لا تقوله الأرقام، وما لا تستطيع اللوائح وحدها تفسيره.
لم يكن هذا الاختيار قطعة مع خبرتي السابقة، بل امتدادًا لها في اتجاه جديد. فقد علمتني سنوات العمل كيف تُدار المسؤوليات، ثم جاءت الدراسة لتوسع أسئلتي حول البشر الذين يحملون تلك المسؤوليات، والعلاقات التي تؤثر فيهم، والظروف التي تشكل قراراتهم وسلوكهم.
وهكذا وجدتني أعود إلى العلم بعقل يحمل خبرة السنين، لكن عليه أن يستعيد مهارات الطالب: الحفظ، والاستيعاب، واسترجاع المعلومات، والربط بين النظريات، والتحليل والكتابة، والاستعداد للاختبارات.
كانت الدراسة هذه المرة مجاهدة حقيقية للنفس. فالخبرة المهنية لا تجعل كل أشكال التعلم سهلة، والنضج لا يعفي الإنسان من التعب، بل ربما يجعله أكثر وعيًا بحجم ما يتطلبه النجاح.
لم أرد أن أكون طالبة تعبر المرحلة فحسب؛ أردت أن أقدم أفضل ما أستطيع. اجتهدت في دراستي، وحرصت على المشاركة، وجربت وسائل تقنية مختلفة والأحدث فالأحدث لتثبيت المعلومات وفهمها، وساعدت زميلاتي كلما استطعت. كنت أتعلم لنفسي، وأدرك في الوقت نفسه أن شرح المعرفة للآخرين ومشاركتهم بها يعمقان فهمنا لها.
انتهى العامان بامتياز مرتفع.
كانت فرحتي بالنتيجة كبيرة، لكن ما وراءها كان أكبر: لقد عدت إلى مقاعد الدراسة بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل، وخضت تجربة لم تكن سهلة، وأثبتُّ لنفسي أن القدرة على التعلم لا تنتهي لمجرد أن الإنسان غادر مقاعد الدراسة سنوات طويلة.
لم تكن الشهادة انتصارًا على شخص رفضني قديمًا، بل انتصارًا على اعتقاد ظل يلاحقني أحيانًا: أن الفرص إذا فاتت في بدايات العمر، فقد فات أوانها إلى الأبد.
أم في مقاعد العلم؛
ثمة معنى لم أكن لأدركه لو تحقق حلمي في شبابي، وهو أن أكون إلى جوار أبنائي في مقاعد العلم.
لقد أمضيت سنوات في تربيتهم وتعليمهم، أحثهم على الاجتهاد، وأدعوهم إلى الصبر حين تصعب الأمور، وأحاول أن أغرس فيهم أن الإنسان لا يبلغ ما يريد بالأمنيات وحدها. ثم وجدتني أخوض التجربة التي طالما دعوتهم إليها: أدرس، وأراجع، وأقلق من الاختبارات، وأبحث عن أفضل الطرق للفهم، وأفرح بالإنجاز بعد التعب.
هنا لم تعد القدوة كلمات أقولها لهم، بل تجربة يرونها أمامهم.
أصبح في وسعي أن أقول لهم، دون أن أحتاج إلى خطبة طويلة: إن أمكم أيضًا تسعى، وإنها تواجه صعوبة التعلم كما تواجهونها، وإنها لا تزال قادرة على أن تبدأ من جديد.
أردت أن يفخروا بي، لا لمجرد حصولي على الماجستير، بل لأنهم رأوا أن ما نؤمن به ينبغي أن نعيشه، وأن المسؤوليات لا تلغي حق الإنسان في أن ينمو، وأن العمر لا ينبغي أن يكون عذرًا نتخذه قبل أن نختبر ما نستطيع فعله.
ولعل هذا هو الأثر الأعمق الذي تركته التجربة في أسرتي. فقد كنت أحاول أن أربيهم على قيمة المثابرة، فإذا بالحياة تمنحني فرصة لأجعل هذه القيمة مرئية أمامهم، في صورة أم تجلس إلى جوارهم على مقاعد العلم، وتسعى معهم، وتتعلم معهم، وتثبت أن البدايات الجديدة ليست حكرًا على جيل بعينه.
أحيانًا لا تصلنا بعض النعم لتضيف شيئًا إلى حياتنا وحدها، بل لتغير الطريقة التي تصل بها قيمنا إلى من نحب.
لو حدث ذلك قبل واحد وثلاثين عامًا
كثيرًا ما استعدت موقف عميدة الكلية، وشعرت بالأسف لأن رأيًا شخصيًا حاسمًا أسهم في تغيير مساري العلمي والمهني. كنت أتساءل عما كان يمكن أن يحدث لو مُنحت تلك الفرصة، وكم من السنوات كان يمكن أن أختصرها.
ولا أستطيع اليوم أن أجزم بأن الرفض كان خيرًا في ذاته، أو أن الطريق الذي سلكته كان أفضل كل الطرق الممكنة. فليس من الإنصاف أن نعيد كتابة الماضي وفق النتيجة التي انتهينا إليها، كما لا يمكننا أن نعرف يقينًا ما الذي كان سيحدث لو تغيرت البداية.
لكنني أدرك الآن أنني لو حصلت على الماجستير في ذلك الوقت، لربما كان أثره محصورًا في مساري المهني، ضمن ما يحدث لكثير من الموظفين حين يحصلون على مؤهل جديد يفتح لهم فرصًا أوسع للترقي أو الانتقال. أما اليوم، فقد جاءت الشهادة بعد سنوات طويلة من العمل والأمومة والخبرة، فحملت معنى يتجاوز الوظيفة، وأصبحت جزءًا من حكايتي مع أبنائي، ومن فهمي لنفسي، ومن تصوري لما أريد أن أفعله فيما بقي من العمر.
لقد وصلت إلى الحلم وأنا أملك ما لم أكن أملكه في شبابي: خبرة الحياة، ونضج التجربة، والقدرة على النظر إلى الإنجاز من أكثر من زاوية.
وهنا تبدل السؤال في داخلي. لم أعد منشغلة بما كان يمكن أن يحدث، بقدر ما أصبحت معنية بما يمكنني أن أصنعه بما حدث فعلًا.
وهذا لا يعني أن نبرر كل ما يعترضنا، أو أن نتخلى عن المطالبة بحقوقنا، بل أن نتعلم كيف نتحرك إلى الأمام دون أن نستنزف أعمارنا في محاكمة ما لا نستطيع تغييره.
حين يتسع معنى القدر؛ لقد زادت هذه التجربة يقيني بأن الإنسان لا يرى من حياته إلا جزءًا محدودًا، وأن أحكامه على الأحداث تتشكل غالبًا من موضعه في اللحظة التي يعيشها.
حين يُغلق باب نريده، نرى الخسارة ولا نرى ما قد يأتي بعده. وحين يتأخر أمر نتمناه، نحسب أن الزمن يعمل ضدنا، ولا نعرف ما الذي يتشكل فينا خلال الانتظار. وقد نظل سنوات نعتقد أن حياتنا كانت ستصبح أفضل لو حدث شيء في وقت أبكر، ثم نكتشف أن ما تحقق لاحقًا يحمل معاني لم نكن لنبلغها في الظروف نفسها.
قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أجد في هذه الآية تذكيرًا بحدود معرفتنا، لا دعوة إلى التوقف عن السعي أو التسليم لكل عائق دون محاولة. فقد سعيت سنوات، وبحثت، وقدمت، وانتظرت، ولم يكن إيماني بالقدر بديلًا عن العمل، بل سندًا لي حين لم تكن النتائج في يدي.
واليوم، لا أستطيع أن أعرف الحكمة الكاملة وراء كل ما حدث، لكنني أستطيع أن أرى ما فتحه الله لي بعده، وأن أحمده على الفرصة التي جاءت، وعلى القدرة التي أعانني بها على اغتنامها.
لم أعد بحاجة إلى أن أظل أسيرة الأسف تجاه ذلك الموقف القديم. لا لأن أثره لم يكن مؤلمًا، بل لأنني لا أريد أن أمنحه بقية عمري. يكفيني أن أتعلم منه، وأن أواصل طريقي، وأن أترك لله ما لا أحيط بعلمه.
لقد علّمتني التجربة أن حسن الظن بالله لا يعني أن نفهم كل شيء، بل أن نسعى فيما نستطيع، ونحسن استقبال ما يأتي، ونؤمن بأن حياتنا أوسع من الصورة التي رسمناها لها في بداياتها.
وماذا بعد؟
كان يمكن أن أنهي حكايتي عند الحصول على الماجستير، وأن أعدّ ما حدث خاتمة سعيدة لحلم طال انتظاره. لكن الذي تغير في داخلي أنني لم أعد أرى الإنجاز نهاية الطريق، بل بداية سؤال جديد.
لقد اقتربت من مرحلة التقاعد الوظيفي، وكان من الممكن أن أنظر إليها بوصفها انحسارًا في الدور أو نهاية لمسار طويل. لكن الدراسة أعادت تعريف هذه المرحلة في ذهني: قد تنتهي الوظيفة، لكن القدرة على التعلم لا تنتهي معها، وقد تتغير المسؤوليات الرسمية، لكن المعرفة والخبرة تظلان قادرتين على خدمة الآخرين.
أصبحت أتساءل كيف يمكنني أن أجمع بين خبرتي المهنية الطويلة وما اكتسبته من معرفة إنسانية، وكيف أستثمرهما في أعمال ومبادرات تنفع الناس، وكيف أترك أثرًا لا يتوقف عند مسمى وظيفي أو شهادة معلقة على جدار.
لا أملك إجابات نهائية عن كل ذلك، لكنني أملك رغبة في الاستمرار، وأعرف أن بلوغ مرحلة جديدة لا يستلزم أن نعرف كل تفاصيلها قبل أن نبدأ.
لقد منحتني التجربة وعيًا أعمق بقدرتي على التغير، ومرونة أكبر في مراجعة قناعاتي، وإدراكًا بأن الخبرة مهما امتدت تظل بحاجة إلى معرفة جديدة، وأن الإنسان لا يكتمل لمجرد أنه أمضى سنوات طويلة في العمل.
والأهم أنها جعلتني أرى ما تبقى من العمر بوصفه مساحة للعمل والعطاء، لا مجرد وقت يقترب من نهايته.
لم أعد أبحث عن الشهادة التالية كي أثبت أنني أستطيع، فقد منحتني التجربة ما يكفي من الثقة لأعرف أن الطريق ما زال مفتوحًا. إنما أبحث عما يمكن أن أضيفه، وعن المعرفة التي يمكن تحويلها إلى عمل نافع، وعن الأثر الذي أريد أن يبقى بعد أن تتغير مراحل الحياة.
الحلم الذي لم يضع
حين أتأمل رحلتي، لا أرى حكاية نجاح يمكن اختصارها في عبارة أن المستحيل ممكن، ولا أريد أن أجعلها وعدًا بأن كل حلم سيتحقق إذا انتظرنا طويلًا. فالحياة أكثر تعقيدًا من ذلك، والظروف ليست واحدة، وبعض الأبواب قد تبقى مغلقة مهما سعينا.
لكنني أعرف أن هناك فرقًا بين أن تتعذر علينا فرصة، وأن نقرر أن قدرتنا على المحاولة قد انتهت. قد يتغير الطريق، وقد تتبدل إمكاناتنا، وقد لا نستطيع تحقيق ما أردناه بالصورة التي تخيلناها أول مرة، لكن ذلك لا يعني أن فرص النمو قد نفدت.
لقد احتجت إلى واحد وثلاثين عامًا لأصل إلى حلم بدأ معي وأنا فتاة، ورافقني وأنا زوجة، وظل حيًا وأنا أم. وحين وصلت إليه، لم أسترد سنواتي الماضية، ولم أغير ما حدث، لكنني اكتسبت معنى جديدًا لكل ذلك الانتظار.
لقد تحقق الحلم في وقت أصبح فيه أثره أوسع من حدودي الشخصية؛ منحني فرحة الإنجاز، وترك في أسرتي درسًا حيًا في المثابرة، وفتح أمامي أفقًا جديدًا من التعلم والعطاء.
ولذلك، لم يعد السؤال الذي يشغلني: لماذا تأخر حلمي كل هذه السنوات؟ بل أصبح: ماذا أريد أن أصنع بما منحني الله اليوم؟
ربما كانت أجمل هدية في هذه الرحلة أنني لم أصل إلى الماجستير لأغلق صفحة قديمة فحسب، بل وصلت وأنا أكثر استعدادًا لكتابة صفحات جديدة. لم أعد الفتاة التي تنتظر قرار لجنة قبول، بل امرأة تعرف قيمة السعي، وحدود السيطرة على النتائج، ومسؤولية الإنسان تجاه الفرص حين تأتيه.
لقد انتظرت حلمي واحدًا وثلاثين عامًا، وحين تحقق اكتشفت أن أعظم ما منحني إياه لم يكن الشهادة، بل أنني لم أعد أرى العمر بوصفه ما مضى مني، وإنما ما لا يزال في وسعي أن أصنعه.
أحمد الله أن منحني الفرصة، وأعانني على السعي، وكتب لي أن أعيش هذه اللحظة مع أبنائي، وأن أرى أثرها في نفسي وفي أسرتي. وأمضي اليوم وأنا أكثر امتنانًا لما مضى، وأكثر تصالحًا مع ما لم أفهمه، وأكثر شغفًا بما لم أبلغه بعد.
فما دمت أستطيع أن أتعلم، فهناك ما يستحق أن أبحث عنه. وما دمت أستطيع أن أنفع إنسانًا، فهناك ما يستحق أن أقدمه.
لم يعد حلمي المتأخر حسرة في قلبي؛ لقد أصبح نافذة أطل منها على ما بقي من العمر، وأرى أن الطريق ما زال يتسع لبدايات أخرى، وأن أجمل ما في الحكاية قد لا يكون ما تحقق فيها، بل ما ستقودني إليه بعد الآن.




