حجم الأمانة التي يحملها قادة الوطن

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
تضامنا مع المادة ٣٤ وطن نحيا بأمنه.. ونحمل مسؤولية حمايته .. هل فكرنا يومًا كيف ننام مطمئنين، بينما هناك من يحمل مسؤولية أمن وطن بأكمله؟ وكيف ننشغل بهموم بيوتنا وأبنائنا وأعمالنا، بينما تتسع مسؤوليات قيادة الدولة لتشمل ملايين البشر، وحدودًا ممتدة، واقتصادًا وطنيًا، وعلاقات دولية، ومستقبل أجيال لم تولد بعد؟
نحن نحمل هم بيت، فكيف بمن يحمل هم وطن؟
نحن نقود بيوتًا تضم بضعة أفراد، فتثقل كواهلنا تكاليف البناء، وفواتير الكهرباء والماء، ومصاريف الأبناء، والالتزامات المالية، وربما نفقد صبرنا أمام مشكلة عائلية أو خسارة طارئة. ونقود إدارات ومؤسسات، فنضيق باختلاف الطباع، ونتأذى من تصرف موظف أو مراجع، وقد نعجز أحيانًا عن احتواء خلاف بين شخصين.
فكيف بمن تقع على عاتقه مسؤولية دولة بمكانة المملكة العربية السعودية، تحتضن الحرمين الشريفين، وتستقبل ملايين الحجاج والمعتمرين، وتواجه تحديات الأمن والاقتصاد والتنمية والعلاقات الدولية؟
تستوقفني عبارة «هذه حربي» المنسوبة إلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، بما تحمله من معنى مواجهة التحديات وتحمل المسؤولية. وأجد فيها مدخلًا للتأمل في حجم الأمانة التي تتجاوز حدود المنصب إلى مسؤولية الأرض والإنسان والمستقبل.
إننا نرى الوطن غالبًا من نافذة احتياجاتنا اليومية، فنحصي ما أتعبنا، وننسى أحيانًا تعداد ما أنعم الله به علينا.
تأملوا وطننا من حولكم.
طرقات تشق الجبال والصحاري، وجسور وأنفاق تختصر المسافات، ومستشفيات تستقبل المرضى، ومدارس وجامعات تحتضن أبناءنا، ومطارات وموانئ تربط المملكة بالعالم، ومشروعات تنموية ترسم ملامح المستقبل.
وراء كل طريق تخطيط وميزانيات وتنفيذ وصيانة، ووراء كل مستشفى كوادر وتجهيزات وتشغيل، ووراء كل مدرسة معلمون ومناهج وخدمات، وعلى الحدود رجال يسهرون بعيدًا عن أسرهم دفاعًا عن وطنهم.
وقد نعبر طريقًا ممهدًا دون أن نتأمل الجهود التي بُذلت لإنشائه، أو ندخل مستشفى فننشغل بمدة الانتظار ونغفل عن حجم المنظومة التي تعمل لخدمة المرضى. ولا يعني ذلك تجاهل القصور أو التوقف عن المطالبة بتحسين الخدمات؛ فالنقد البنّاء والمطالبة بالحقوق من صور المسؤولية الوطنية.
ولكن تبقى أعظم النعم التي قد نعتادها حتى ننسى قيمتها: نعمة الأمن والأمان.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا». رواه الترمذي.
أن تنام مطمئنًا، ويخرج أبناؤك إلى مدارسهم، وتذهب إلى عملك وتعود إلى أسرتك دون خوف من حرب أو فوضى؛ تلك نعم ندرك عظيم قيمتها حين نرى شعوبًا شردتها الحروب، وأسرًا فقدت منازلها، وأطفالًا حرموا التعليم، ومرضى عجزوا عن الوصول إلى العلاج.
فالأمن ليس مجرد غياب الخوف، بل أساس الحياة والاستقرار والبناء.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، تشهد المملكة تحولات تنموية واقتصادية واجتماعية واسعة ضمن رؤية السعودية 2030، بما تحمله من طموحات وتحديات تتطلب التخطيط والعمل وتكامل جهود مؤسسات الدولة والمجتمع.
وهنا يبرز سؤال لا ينبغي أن يغيب عن ضمير كل مواطن: ماذا قدمنا نحن لهذا الوطن؟
لقد نصت المادة الرابعة والثلاثون من النظام الأساسي للحكم على:
«الدفاع عن العقيدة الإسلامية، والمجتمع، والوطن واجب على كل مواطن، ويبين النظام أحكام الخدمة العسكرية».
فالدفاع عن الوطن واجب تنظمه الأنظمة، أما تعزيز الانتماء إليه فهو مسؤولية تبدأ من الأسرة، وتتجذر في المدرسة، وتترسخ في المجتمع.
ومن هنا أوجه رسالتي إلى كل أب وأم، وكل معلم ومعلمة، وكل مسؤول ومواطن:
ازرعوا في أبنائكم حب المملكة العربية السعودية، وعلموهم تاريخ توحيدها على يد الملك عبدالعزيز، وعرفوهم بما مرت به من مراحل بناء وتطور، وبمسؤوليات قيادتها ومؤسساتها، وبجهود رجال الأمن والجنود وكل من يشارك في خدمة الوطن.
علموهم أن الوطن ليس مجرد خريطة أو راية نرفعها في المناسبات، بل أرض تضم تاريخ أجدادهم، وذكريات آبائهم، ومستقبل أبنائهم. وأن الانتماء الحقيقي يظهر في الأمانة والإخلاص، واحترام الأنظمة، والمحافظة على الممتلكات العامة، وصيانة المقدرات، والمشاركة في الإصلاح والبناء.
فالأوطان لا تصان بالشعارات وحدها، بل بالوعي والعمل والتكاتف وأداء الواجب.
ونحن أبناء هذا الوطن، نشارك في حمايته كل من موقعه ووفق الأنظمة؛ فالجندي يحمي الحدود، والمعلم يبني العقول، والطبيب يحفظ الأرواح، والمهندس يعمر الأرض، والموظف يصون الأمانة، والإعلامي يتحرى الحقيقة، والأم تغرس في نفوس أبنائها قيم الانتماء والمسؤولية.
ونساند وطننا بما نستطيع من علم وعمل ومال وتطوع، ونحمي وحدته، ونواجه الشائعات بالوعي والمعلومة الموثوقة، ونقدم المصلحة العامة، ونؤدي واجباتنا في الرخاء والشدائد.
ولدعوات الأمهات والآباء مكانة في قلوبنا؛ فكم من أم ترفع يديها إلى السماء تسأل الله أن يحفظ وطنها وقيادته وجنوده وأبناءه، وأن يديم عليه الأمن والاستقرار.
فحب الوطن ليس كلمات تقال وقت الرخاء، بل عهد ومسؤولية يظهر صدقهما عند الشدائد.
إننا لا نورث أبناءنا منازل وأموالًا وممتلكات فحسب، بل نورثهم وطنًا وهوية وتاريخًا وأمانة. فليكن أعظم ما نتركه لهم أن يعرفوا قيمة الأمن، وأن يدركوا أن الحقوق تقابلها واجبات، وأن المحافظة على مكتسبات الوطن مسؤولية لا تقل أهمية عن تحقيقها.
ولعل اللحظة الفارقة في وعينا الوطني هي أن ننتقل من الانشغال بما ينقصنا وحده إلى إدراك قيمة ما نملكه، ومن انتظار ما يقدمه الوطن لنا إلى التفكير فيما نستطيع أن نقدمه له.
فالبيوت تحمل هموم أفرادها، والمؤسسات تحمل مسؤولية منسوبيها، أما قيادة الوطن فتحمل أمانة شعب وأرض وتاريخ ومستقبل أجيال.
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، وأدم عليها أمنها واستقرارها، واحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ووفق ولاة أمرنا لما فيه خير البلاد والعباد، واحفظ جنودنا ورجال أمننا وكل من يعمل بإخلاص في خدمة هذا الوطن.
فالوطن الذي ننعم بأمنه، ونعيش على أرضه، ونحلم بمستقبل أبنائنا فيه، أمانة في أعناقنا جميعًا؛ نحفظه بالوعي، ونبنيه بالعمل، ونصونه بالوفاء والمسؤولية.




