من نبكي؟ حين ندفن جزءا ًمنا معهم

بقلم الكاتبة : رجاء الطويل
لعلنا لا نبكيهم وحدهم ،ولا نبكي فراقهم وحده،بل نبكي الأشياء التي لم نعد نستطيع أن نكونها بعدهم ونبكي أنفسنا لأن شيئا ًمنا غاب بغيابهم.
نحن لا نفتقد وجودهم وحسب، بل نفتقد شعورنا بالحياة معهم ،نفتقد أنفسنا حين كنا نضحك دون أن نحسب حساباً للغياب ،ونحكي دون أن نخشى أن الحكايات ستصبح يوماً كل ما تبقى .
نفتقد الطمأنينة،ولم نتخيل أن يأتي يوم ونفتش فيه عن الأمان في ذكرى.
إننا نودع حياة كاملة كانت تتشكل في حضورهم، نفتقد صوتاً كان يبدد وحشة المساء ،ووجها كانت ملامحه كافية لتخفيف يومٍ ثقيل، و كتفاً لم نكن نعرف أننا نستند عليه حتى اختل توازننا بعد غيابه.
ذهبوا .. وأخذوا معهم لا الماضي فحسب، بل مستقبلاً مثقلاً بما لم يحدث ،مناسبات كان أن كان ينبغي أن يحضروها و آمالاً رسموها ولم يروها ،و أعماراً كنا نتخيل أننا سنكبر فيها معا.
وماذا تركوا؟
تركوا حزنا يسكن حتى في الأشياء التافهة، في كوب كنا نتجادل لأنهم وضعوه في المكان الخطأ ،في مضايقتنا من طريقة رفعهم لجهاز التلفاز حتى يصم اذاننا، من كرسيهم المفضل الذي أصبح بعدهم خاوياً بارداً.
تركوا عاداتهم موزعة في البيت كالألغام ،وكل ما نحتفظ به غير الذكرى….. ربما قميص ،أو زجاجة عطر.
نحن نعلم يقينا أن الموت حق، فمشكلتنا ليست معرفية مشكلتنا أن إنساناً كان جزء من تكوين يومنا خرج فجأة كيف سيعاد ترتيب اليوم؟ من سيجلس هنا؟ لمن سنحكي هذه الحكاية التي لا يفهمها سواه؟ ومع من سنضحك على ذكرى أو نبكي؟ حتى إشاراتنا كانت لغة خاصة بنا.
أه …ما أشد قسوة الذاكرة، ترد إلينا كل شيء إلا أصحاب الذكريات.
كنا دائما ننتظر اللحظة المناسبة، والحالة المزاجية الجيدة
كنا نعتقد أن هناك غد سيتسع لاعتذارنا،و مساءً نعبر فيها عن امتناننا ،ثم يأتي يوم… يبقى فيه الاسم موجود في الهاتف ،والصورة كما هي في معرض الصور، و المحادثات القديمة باقية ،ولكن لا شبكة في الكون قادرة على إيصال همسة.
الغياب جرس إنذار يقول :أن اللحظة الحالية هي كل ما نملك فلا نؤجل فعل أو قول.
لن ننفصل نفسياً عن الراحلين، ولكن يجب أن نعيد تشكيل العلاقة، بأن يتحول حضورهم من الجسد إلى الذاكرة، ومن الحوار معهم إلى الدعاء لهم .
فالفقد مهما اتسع وجعه ليس نهاية الحكاية ،وبيننا وبين من رحلوا ميعاد
نرجو من الله أن يجمعنا في دار لا فراق فيها ولا وداع نشتاق إليهم ونبكيهم ونحمل ذكراهم في دعائنا ثم نرد قلوبنا إلى يقينها بأن الذي استودعناه أحبتنا أرحم بهم منا وأن الموت وإن قطع أسباب اللقاء في الدنيا لا يقطع رجاء اللقاء في الآخرة.
من نبكي حين يرحل أحبتنا؟؟
نبكيهم هم ؟ أم نبكي أنفسنا التي بقيت تحمل وجع الغياب؟؟؟




