Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

من الذي أعطى الغائب ضميرًا؟ 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي

في اللغة العربية، للضمائر ثلاثة أوجه: متكلمٌ يقول «أنا»، ومخاطبٌ نقول له «أنت»، وغائبٌ نُشير إليه بقولنا «هو» أو «هي». لكنني، كلما تأملت ضمير الغائب، شعرت أن في اللغة سؤالًا إنسانيًا يستحق أن نتوقف عنده: من الذي أعطى الغائب ضميرًا، وكيف يغيب عمّن يحب، وهو يملك ضميرًا يفترض أن يوقظه عليه؟

كيف يستطيع الإنسان أن يغيب عن قلبٍ اعتاد حضوره، ويترك خلفه أسئلةً لا تجد إجابة، واشتياقًا لا يجد وجهته، وقلقًا ينتظر منه كلمة تطمئن روحه؟ كيف ينام مطمئنًا، وهو يعلم أن هناك من يترقب رسالته، ويفتش عن أثره بين إشعارات الهاتف، ويختلق له الأعذار كي لا يواجه حقيقة الغياب؟

أليس الضمير هو ذلك الصوت الخفي الذي يوقظ الإنسان حين يخطئ، ويذكّره بمشاعر الآخرين حين ينشغل بنفسه؟ أليس هو ما يجعلنا نسأل عن الذين نحبهم، ونخشى عليهم، ونحرص ألا نكون سببًا في حزنهم؟ فكيف يجتمع الضمير مع الغياب المتعمد، وكيف يطمئن قلبٌ يعرف أن قلبًا آخر يتألم بسببه؟

لعل المشكلة ليست في الغياب ذاته؛ فالظروف قد تُبعد الأحبة، والانشغالات قد تسرق الوقت، والحياة أحيانًا تفرض على الإنسان صمتًا لا يختاره. لكن الفرق كبير بين غائبٍ تمنعه الظروف، وغائبٍ يستطيع أن يطمئن، لكنه لا يفعل؛ بين من يعتذر عن انشغاله، ومن يتركك تتساءل عن مكانتك؛ بين من يغيب بجسده ويبقى بقلبه، ومن يحضر حين يريد، ويختفي حين تحتاج إليه.

فالضمير لا يمنع الإنسان من الغياب، لكنه يفترض أن يمنعه من الاستهانة بأثر غيابه.

ليس مطلوبًا من أحد أن يكون حاضرًا طوال الوقت، ولا أن يتخلى عن مسؤولياته كي يرضي من يحب، ولكن أليس من أبسط حقوق المحبة أن نطمئن، وأن نخبر من يعني لنا شيئًا بأننا بخير، وأن انشغالنا لا يعني نسيانه؟ أليست كلمة واحدة قادرة على إيقاف سيلٍ من الأفكار التي يصنعها الصمت في رأس إنسانٍ لا يريد سوى الاطمئنان؟

المؤلم أن بعض القلوب لا تطلب الكثير؛ لا تريد وعودًا كبيرة، ولا حضورًا دائمًا، ولا اهتمامًا يفوق طاقة الآخرين. كل ما تريده ألا تُترك معلقة بين الأمل والخذلان، وألا تضطر إلى اختراع الأعذار لمن تحب أكثر مما يمنحها هو من أسباب الطمأنينة.

والأشد إيلامًا أن يتحول الاهتمام إلى سؤال، والاشتياق إلى تهمة، والحرص إلى عبء، وكأن القلب الذي يسأل عنك ارتكب خطأً، لمجرد أنه أراد أن يعرف أنك بخير. عندها لا يعود السؤال: لماذا غبت؟ بل يصبح: هل كنت تعلم أن غيابك يؤلمني، ومع ذلك اخترت ألا تطمئنني؟

وهنا تتجلى حقيقة الضمير؛ فهو ليس كلمةً نتحدث بها عن أنفسنا، ولا صورةً جميلة نحب أن يرانا الناس من خلالها، بل مسؤولية أخلاقية تظهر في تعاملنا مع مشاعر الآخرين. قد لا نكون مسؤولين عن كل حزنٍ يصيب من حولنا، لكننا مسؤولون عن الصدق، وعن الوضوح، وعن ألا نستغل محبتهم أو نستخف بمشاعرهم.

فمن الذي أعطى الغائب ضميرًا، إن كان لا يشعر بمن تركه خلفه؟

ربما أعطته اللغة ضميرًا نحويًا، لكن الحياة وحدها تكشف إن كان يملك ضميرًا إنسانيًا حيًا. فالضمير في اللغة يحدد موقع صاحبه من الكلام، أما الضمير في الحياة فيكشف موقع الآخرين من قلبه.

وفي النهاية، ليس كل غيابٍ قسوة، وليس كل صمتٍ دليلًا على انعدام المحبة، لكن المحبة التي لا يصاحبها قدرٌ من المراعاة تترك صاحبها في حيرة، والاهتمام الذي لا يجد صدى قد يُتعب أكثر مما يُسعد.

فإن كنت تحب أحدًا، فلا تجعل غيابك اختبارًا لصبره، ولا تجعل صمته دليلًا على أنه لا يتألم. لا أحد يطلب منك أن تكون متاحًا في كل لحظة، لكن كلمةً صادقة قد تحفظ في قلبه أمانًا لا تصنعه ساعاتٌ طويلة من الحضور.

فاللغة منحت الغائب ضميرًا، لكن المحبة هي التي تمنحه معنى، والضمير الحي هو الذي يذكّره بأن وراء كل غياب قلبًا قد يتألم، وأن وراء كل صمت إنسانًا قد لا يملك شجاعة السؤال، لكنه ينتظر منك ما هو أبسط من الإجابة: أن تشعر به.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬