فقه التحولات في إدارة الأزمات

بقلم الكاتبة: صالحة محمد معتق القحطاني
في زحمة الحياة المتسارعة وحين تتزاحم التحديات ويضيق بنا الأفق على الرغم من رحبه الواسع قد نبحث أحياناً عن وجهة ترشدنا وتثبت خطانا وهنا تتجلى الحاجة الحقيقية إلى :
“فقه التحولات في إدارة الأزمات”
ذلك الفقه الذي يعيد ضبط الروح ويوجهها نحو اليقين المطلق متجاوزاً حدود اللحظة الراهنة إلى آفاق التخطيط بعيد المدى والصبر الإستراتيجي العتيق.
إذا أردنا أن نستلهم أعمق درساً في القيادة والوعي الفكري والصبر الاستراتيجي فلا أروع من التأمل في مدرسة نبي الله يونس بنّ متى عليه السلام.
إن قصته ليست مجرد حكاية تاريخية عابرة بل هي منهج متكامل في إدارة الأزمات والتحول من ضيق اليأس إلى رحاب التمكين.
علمتنا مدرسته عليه السلام أن الحكمة أحياناً تكمن في معرفة متى نتوقف ومتى نتخذ قراراً بالابتعاد حين تصل الأمور إلى طريق مسدود مع بيئة لا تتقبل التغيير.
لم يكن خروج يونس بن متّى عليه السلام مجرد انفعال عابر بل كان درساً مبكراً في إدارة التوقعات والتحول نحو مسار بديل حين ينفد رصيد التأثير المباشر بانتظار إشراقة فرصة جديدة.
إن العتمة التي قد تلتف حولنا ماهي إلا حاضنة للإصلاح الذاتي وهذا ما نسميه (التخطيط الداخلي) وهي من أعظم مراحل التخطيط بعيد المدى تبدأ من ترتيب الداخل ثم الخروج إلى ساحة النور
نبي الله يونس عليه السلام في ظلمة بطن الحوت انقطعت عنه كل الأسباب الدنيوية و أُغلقت الأبواب أمامه لكنّه لم يستسلم لليأس فتحولت العتمة إلى خلوة تأملية واعية.
الاعتراف بالاقتراف من أسمى القيم الإيمانية وأرى أنها من أول درجات الحكمة القيادية كما أن التسبيح والذكر هما طاقة الدفع الروحي التي تعيد شحن الإرادة واستجلاب الهمم هذا المشهد المهيب يعلمنا أن الأزمات الكبرى ليست سوى محطات عابرة نقف عندها قليلاً ثم نرحل ليقف بنا قطار الصبر والوعي إلى محطة النجاح الكبرى المنتظرة وأن الصبر ليس مجرد تحمل سلبي للألم بل هو طاقة حركة واعية موجهة نحو الهدف.
حين غادر يونس عليه السلام قومه أول مرة ثم عاد إليهم لاحقاً جسّد لنا معنى الصبر في أبهى صورهِ لقد كانت عودة مدروسة برؤية أنضج وإصرار أعظم على إكمال رسالة الإصلاح.
لقد أثمر هذا الصبر عن مشهد تاريخي فريد من نوعه تمثل في إيمان قومه أجمعين إن استدعاء مثل هذه المعاني في واقعنا التربوي والمهني يمنحنا رؤية أعمق نحو القادم من الأيام وأن الإنسان حين يربط خُطواته بفقه التحول الإيجابي بشكل سليم يدرك حينها أن التأخير للأمور ليست رفضاً للشخص وأن الإنكسار المؤقت ليس إلا مقدمة لنهضة أعمق وأشمل .




