Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

حين تصبح القراءة سلوكاً بعقول حرة

بقلم الكاتبة: رجاء الطويل

بقلم الكاتبة: رجاء الطويل

لم تكن القراءة في زمن مضى أمراً متاحاً بالسهولة التي نعرفها اليوم؛ كان العثور على الكتاب يحتاج إلى بحث طويل، والوصول إلى ما نريد قراءته رحلة في حد ذاتها. أما اليوم، فقد صار الكتاب أقرب إلينا من أي وقت مضى وبضغطة واحدة نصل إلى آلاف العناوين

إنها نعمة عظيمة أن نقرأ كثيراً دون بذل مجهود كبير للوصول إلى ما نقرأه، فالكتاب فتح لنا عوالم لم نكن نعلم بوجودها، ومنحنا فرصة أن نرى بعين شخص آخر، ونعيش تجارب لم نخضها، ونقترب من أسئلة حملتها البشرية قروناً. لكن الكتب لا تأتي دائماً بالإجابات التي نبحث عنها، وربما لم تكن هذه وظيفتها الحقيقية، وهذا في حد ذاته مكسب؛ فالقراءة أحياناً تمنحنا أسئلة، والسؤال الجيد أثمن من إجابة جاهزة، لأنه يظل يعمل داخل العقل حتى بعد أن نغلق الكتاب.

وبسبب سرعة الوصول وسهولته، أصبحنا نتنقل من كتاب إلى آخر، ونقرأ في الدين والفلسفة والتاريخ والسياسة وننتقل من فكرة إلى أخرى دون أن نعطيها وقتاً كافياً لتستقر في الوعي والذاكرة. وهذا الكم الهائل من المعلومات إن لم يُستخدم سيتعرض للتلاشي، إذن القراءة وحدها لا تكفي، بل علينا أن نفعل شيئاً بما قرأناه .

وربما لهذا السبب لا تكمن قيمة القراءة في عدد الكتب التي أنهيناها، ولا في اقتباس جمل تبدو عميقة،القيمة الأهم هي فيما بقي بعد القراءة، بعد أن أغلقنا الكتاب ماذا فعلت بنا تلك الصفحات؟ هل وسعت رؤيتنا؟ هل جعلتنا أكثر قدرة على التمييز؟ هل جعلتنا نعيد النظر في طريقة فهمنا؟

قد نقرأ كتاباً مؤثراً نشعر أثناء قراءته أننا تغيرنا، نضع تحته الخطوط، ونملأ الهوامش، ونقتبس منه، ثم نعود بعد ذلك وكأن شيئاً لم يكن، كأن القراءة لحظة شعورية عابرة لا تحول حقيقي. إذن، هناك فرق بين المعرفة التي تستقر والانطباع الذي يمر،فالمعرفة التي لا تعيد تشكيل شيء في حديثنا أو تعاملنا تبقى ناقصة. فما فائدة القراءة عن الرحمة بينما نظل قساة في علاقاتنا؟ وما جدوى القراءة عن العدل عندما نبحث عن أعذار حين نظلم غيرنا؟ نقرأ عن الاختلاف وضبط النفس ثم لا نحتمل رأياً مغايراً لرأينا، ونظن أن لغضبنا مبرراً.

إن القراءة هنا سلوك أكثر منها مجرد فكرة، وأكثر القراء وعياً هو من استطاعت بعض الكتب أن تهدم فيه فكرة خاطئة، أو توسع له زاوية ضيقة تجعله أكثر إنصافاً وأقل غروراً.

ولكن، أيها القارئ الواعي اليقظ، إياك أن تخلط بين إعجابك بفكرة وصحتها، وبين براعة الكاتب وصواب ما يقول. فالكاتب، مهما علا شأنه، إنسان له تجربته ومرجعياته وحدوده؛ قد يشير لنا إلى طريق واحد، لكنه ليس الأوحد، ويعرض أمامنا أفكاره، وعلينا مسؤولية أن نقارن ونعترض، وقد نقبل أو نرفض. وإن كان علينا ألا ندخل الكتاب بعقل مغلق، كذلك يجب ألا نخرج منه بعقل مستعار (نوع من التبعية الفكرية)، كأن نتحدث بلغة الكاتب، ونستشهد بعباراته، وندافع عن أفكاره دون فحص. فما يبدو عميقاً لأننا لم ننظر فيه من قبل، ليس بالضرورة صحيحاً لأنه جديد علينا.

القراءة تفتح العقل، وتمنحنا تفسيرات، وتضع بين أيدينا تجارب، لكنها لا تستطيع أن تفكر بدلاً منا، والكاتب لا يستطيع أن يغير حياتنا، ولا أن يتحمل تبعات أفكاره في حياتنا اليومية؛ نحن فقط من نفعل.

وحتى لا نقع في فخ التلقي السلبي، يترتب على القارئ اليقظ تفعيل أدوات القراءة الواعية،كأن يأخذ استراحات للتأمل بين كتاب وآخر بدلاً من الركض بين العناوين، وأن يمارس التدوين والنقد ومقارنة الأفكار بأضدادها، والأهم من ذلك: اختيار فكرة واحدة من كل كتاب وتحويلها إلى ممارسة يومية في السلوك أو التفكير.

إن القراءة وحدها لا تكفي إن لم تصبح جزءاً من حياتنا وتنعكس على تفكيرنا وسلوكياتنا، وتفتح لنا آفاقاً للتساؤل. إن القراءة الحقيقية لا تبدأ ونحن نفتح الكتاب، بل تولد في اللحظة التي نغلقه فيها،لنبدأ بمواجهة العالم بعقولنا نحن لا بعقول مستعارة. عندها فقط سنعرف حقاً.. ماذا غيرت فينا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬