Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

في يوم المعلم… التقنية تتغير، لكن المعلم يبقى صانع المستقبل

بقلم الكاتبة : أشواق قاسم

بقلم الكاتبة : أشواق قاسم

نعيش اليوم زمنًا يستطيع فيه الطالب أن يسأل الذكاء الاصطناعي فيحصل على إجابة خلال ثوانٍ، وأن يصل إلى كتاب في قارة أخرى بضغطة زر، وأن يتعلم مهارة جديدة دون أن يغادر منزله.

ومع هذا التطور الهائل، يبرز سؤال أراه من أهم أسئلة مستقبل التعليم:

إذا أصبحت المعرفة متاحة للجميع… فهل سيظل العالم بحاجة إلى المعلم؟

إجابتي، بعد سنوات من العمل في التعليم، هي: نعم، وربما أكثر من أي وقت مضى.

لأن وظيفة المعلم الحقيقية لم تكن يومًا نقل المعلومات فقط.

المعلومة أصبحت متاحة… لكن الإنسان يحتاج إلى من يرشده

في الماضي كان الوصول إلى المعلومة صعبًا، وكان المعلم أحد أهم مصادر المعرفة.

اليوم تغير المشهد.

محركات البحث، والمنصات التعليمية، والمكتبات الرقمية، والذكاء الاصطناعي؛ كلها جعلت المعرفة أقرب إلى الطالب من أي وقت مضى.

لكن وفرة المعلومات صنعت تحديًا جديدًا:

كيف يعرف الطالب ما الصحيح؟

كيف يميز بين المعرفة والمعلومة المضللة؟

كيف يحول ما يقرأه إلى فهم؟

وكيف تتحول المعرفة إلى مهارة، والمهارة إلى سلوك، والسلوك إلى أثر؟

هنا يظهر دور المعلم بصورة أكثر عمقًا.

فالمعلم في المستقبل لن يكون مجرد ناقل للمعرفة، بل

مرشدًا إليها وصانعًا للإنسان القادر على استخدامها.

الذكاء الاصطناعي لن يلغي المعلم… لكنه سيغير دوره

نسمع كثيرًا السؤال: هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي ال

معلمين؟

وأعتقد أن السؤال الأدق هو: كيف سيصبح المعلم أقوى باستخدام الذكاء الاصطناعي؟

فالذكاء الاصطناعي يستطيع إعداد تمرين، واقتراح خطة، وتلخيص نص، وتحليل بيانات، وتقديم شرح سريع.

لكنه لا يعرف الطالب كما يعرفه معلمه.

لا يرى ذلك التردد في عينيه قبل الإجابة.

ولا يدرك دائمًا أن انخفاض مستواه ربما يخفي مشكلة أكبر من الدرس.

ولا يستطيع أن يكون القدوة الإنسانية التي يتذكرها الطالب بعد عشرين عامًا.

التقنية تستطيع أن تقدم المعلومة، أما المعلم فيستطيع أن يصنع الأثر.

ولهذا لا أرى العلاقة بين المعلم والذكاء الاصطناعي علاقة منافسة، وإنما علاقة تكامل.

المعلم الذي يوظف التقنية والذكاء الاصطناعي بوعي قد

يستطيع أن يخصص تعلم طلابه بصورة أفضل، ويكتشف

احتياجاتهم مبكرًا، ويوفر وقت الأعمال المتكررة ليمنح

الجزء الأكبر من وقته لما لا تستطيع الآلة أن تقوم به

بسهولة: التوجيه، والتحفيز، والإلهام، وبناء الإنسان.

من الفصل الدراسي إلى المجتمع الرقمي

وفي مقالاتي السابقة تحدثت عن المجتمعات الرقمية، وعن

اعتقادي بأن المرحلة القادمة من الإنترنت ستنتقل بنا من

مجرد المتابعة إلى المشاركة والانتماء وصناعة القيمة.

وأرى أن المعلم سيكون أحد أهم عناصر هذه المرحلة.

فخبرة المعلم لم تعد مضطرة لأن تبقى داخل حدود فصله الدراسي.

معلم في جدة يمكن أن يشارك تجربة تعليمية ناجحة مع

معلمين في الرياض أو أبها، وربما مع معلمين في القاهرة

أو عمّان أو الرباط.

ومعلم متميز في مجال معين يستطيع أن يقود مجتمعًا

معرفيًا، ويدرب زملاءه، وينقل خبرته، وينتج محتوى،

ويوجه طلابًا خارج نطاق مدرسته.

وهنا يتحول المعلم من صانع أثر داخل الفصل فقط إلى

صانع معرفة داخل مجتمع أوسع.

وهذا أحد الأسباب التي تجعلني أؤمن بمستقبل المجتمعات

الرقمية التعليمية.

المعلم جزء من الاقتصاد القادم

وإذا كنا نتحدث عن اقتصاد المعرفة، فمن غير المنطقي أن نتحدث عن المعرفة وننسى أهم من يصنعها وينقلها وينميها.

المعلم رأس مال معرفي.

سنوات الخبرة التي يمتلكها المعلم، والاستراتيجيات التي جربها، والمواقف التي تعامل معها، والمعرفة التي راكمها؛ كلها

أصول معرفية ذات قيمة.

وفي الاقتصاد الرقمي يمكن لهذه الخبرة أن تتجاوز حدود المكان. يمكن أن تتحول إلى دورة، أو ورشة، أو محتوى معرفي، أو استشارة، أو مجتمع متخصص، أو مشروع تعليمي، أو منتج رقمي.

وبذلك لا يكون تمكين المعلم رقميًا مجرد تطوير مهني، وإنما استثمارًا في رأس المال البشري والمعرفي للمجتمع.

المعلم ورؤية السعودية 2030

وهذا الدور يتوافق مع التحول الذي تعيشه المملكة ضمن رؤية السعودية 2030، حيث أصبح تنمية القدرات البشرية والتعلم المستمر والاستعداد لمهارات المستقبل عناصر أساسية في بناء اقتصاد أكثر تنافسية قائم على المعرفة والابتكار.

لكن المباني والمنصات والأجهزة والذكاء الاصطناعي وحدها لا تصنع تحولًا تعليميًا.

هناك دائمًا إنسان يقف في قلب المعادلة.

المعلم.

ووزارة التعليم نفسها أكدت في مناسبات اليوم العالمي للمعلم أن دوره لا يقتصر على نقل المعرفة والمهارات، بل يمتد إلى بناء الأجيال وغرس القيم والمبادئ والمساهمة في تنمية المجتمع. (Ministry of Education Saudi Arabia)

يوم المعلم… ليس يومًا للشكر فقط

يصادف الخامس من أكتوبر من كل عام اليوم العالمي للمعلمين، وهي مناسبة يحتفل بها العالم منذ عام 1994 إحياءً لذكرى توصية اليونسكو ومنظمة العمل الدولية لعام 1966 بشأن أوضاع المعلمين. وفي عام 2026 تمر ستون عامًا على تلك التوصية، وسط عالم تغيرت فيه المدرسة والتقنية ومصادر المعرفة بصورة جذرية. (UNESCO)

ولهذا أتمنى ألا يكون يوم المعلم مجرد يوم نقدم فيه وردة أو عبارة شكر ثم نعود في اليوم التالي إلى حياتنا المعتادة.

بل فرصة لنسأل:

كيف نعيد تعريف دور المعلم في عصر الذكاء الاصطناعي؟

كيف نحمي مكانته ونرفع جودة حياته المهنية؟

كيف نتيح لصوته وخبرته أن يشاركا في صناعة مستقبل التعليم؟

وكيف نحول خبرات آلاف المعلمين والمعلمات إلى معرفة تتبادلها الأجيال بدل أن تضيع بانتهاء سنوات الخدمة؟

فالعالم يواجه أصلًا حاجة كبيرة إلى المعلمين المؤهلين؛ وتشير اليونسكو إلى عجز عالمي يقدر بنحو 44 مليون معلم لتحقيق التعليم الابتدائي والثانوي الشامل بحلول 2030. (UNESCO)

لذلك فإن الحديث عن مستقبل التعليم يجب أن يبدأ بالحديث عن مستقبل المعلم.

إلى كل معلم ومعلمة…في يومكم العالمي، لا أريد أن أقول لكم «شكرًا» فقط.

بل أريد أن أقول: أنتم لستم جزءًا من الماضي في عالم يتجه نحو الذكاء الاصطناعي.

أنتم جزء أساسي من مستقبله.

ستتغير الكتب.

وستتغير الفصول.

وستتطور المنصات.

وسيصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة.

وقد تتغير حتى الطريقة التي نفهم بها المدرسة والجامعة والتعليم نفسه.

لكن سيبقى الإنسان بحاجة إلى إنسان يؤمن بقدرته قبل أن يؤمن هو بها.

إلى من يكتشف موهبته.

ويرشده عندما يحتار.

ويصحح له عندما يخطئ.

ويفتح أمامه بابًا لم يكن يعرف أنه موجود.

ذلك الإنسان هو المعلم.

فالمعلم الحقيقي لا يعلّم طالبًا درسًا فقط؛ بل قد يغير بعبارة واحدة مسار حياة كاملة.

ولهذا، في يوم المعلم، أؤمن أكثر من أي وقت مضى بأن:

التقنية قد تصنع مستقبل التعليم… لكن المعلم هو من يصنع إنسان المستقبل.

وكل عام ومعلمو ومعلمات الوطن والعالم بخير، وكل عام وأثرهم يمتد من فصل دراسي صغير… إلى مستقبل أمة بأكملها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬