Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

هرمنا في عمر الزهور 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

يسألونك: كم عمرك؟

وكأن العمر رقمٌ يُقال، لا حكايةٌ تُروى. وكأن السنوات التي مرّت بنا كانت متشابهة؛ لم تُسقط منا شيئًا، ولم تُنبت فينا شيئًا، ولم تجعل بعضنا يكبر في عامٍ واحد أكثر مما يكبر آخرون في عشر سنوات.

الحقيقة أن أعمارنا لا تسكن في بطاقات الهوية، ولا تختصرها تواريخ الميلاد. هناك عمرٌ للجسد، وعمرٌ للعقل، وعمرٌ ثالث لا يعرفه إلا القلب. قد يبلغ الإنسان الستين وما زال في داخله طفل يفرح بكلمة، وقد يكون في الثلاثين ويحمل في صدره تعب مئة عام.

العقل تحديدًا لا يُقاس بالسنوات. فكم من صغيرٍ علّمته الحياة مبكرًا حتى صار أكثر حكمة ممن سبقه عمرًا، وكم من كبير مرّت به السنوات ولم تمرّ التجارب إلى داخله. ليست الحكمة أن يزداد رقم عمرك، بل أن تخرج من كل تجربة وأنت أكثر فهمًا، وأقل اندفاعًا، وأشد رحمة بالناس.

أما الجسد، فهو أكثر أجزاء الحكاية صدقًا. يحمل آثار الطريق بصمت؛ تجعيدة خبّأت خلفها ليالي التفكير، وشعرة بيضاء ربما لم يصنعها العمر بقدر ما صنعتها ليلة قلق، وملامح تغيّرت لأن الحياة مرّت عليها أكثر مما ينبغي. ولهذا قد تكبر أجسادنا سريعًا حين يثقل الحزن، ثم تعود شابة في لحظة فرح صادقة.

لكن أغرب أعمار الإنسان هو عمر القلب.. فالقلب لا يعترف بالتقويم.

هناك دقيقة حزن تمرّ كأنها عام، وهناك ساعة بجوار من نحب نتمنى لو تعطّل عندها الزمن. هناك أيام كاملة لا يبقى منها في الذاكرة شيء، ولحظة واحدة عشناها منذ سنوات وما زالت حية فينا بكل تفاصيلها.

لهذا ربما لا ينبغي أن نسأل الإنسان: كم سنة عشت؟

بل: كم مرة شعرت أنك حي؟

كم مرة ضحكت حتى نسيت أثقالك؟

كم مرة أضاءت كلمة يومك؟

كم يدًا أمسكت بها حين أوشكت أن تسقط؟

وكم قلبًا مررت به فتركت فيه أثرًا جميلًا؟

فهذه هي الأعمار التي تستحق أن تُحصى.

وأجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في عمره ألا ينشغل كثيرًا بعدد الأيام التي عاشها، بل بما تركه في أيام الآخرين. أن يكون حضوره طمأنينة، وكلمته جبرًا، وغيابه ذكرى طيبة. أن يزرع وردة في طريق أحدهم ولو لم يكن هو من سيقطفها، وأن يرمم قلبًا دون أن يخبر الناس أنه فعل، وأن يمنح المحبة دون أن يحوّلها إلى فاتورة ينتظر سدادها.

وهنا يصبح الحب أرقى من مجرد شعور.

الحب الحقيقي ليس أن تقول لمن تحب: ماذا ستعطيني مقابل ما أعطيتك؟

بل أن تسعد لأنك أسعدته. أن تمنحه شيئًا من روحك دون أن تستعبده بجميلك، وأن تحرص عليه دون أن تمتلكه، وأن تترك في قلبه أثرًا ناعمًا حتى لو أخذته الحياة بعيدًا عنك.

فبعض الناس يدخلون حياتنا سنوات ولا يتركون أثرًا، وبعضهم يمرّون لحظة ويتركون في الروح عمرًا كاملًا.

لهذا، عندما يسألك أحدهم يومًا: كم عمرك؟

لا تتعجل الإجابة.

فقد يكون الرقم المكتوب في أوراقك صحيحًا للجسد، لكنه لا يعرف شيئًا عن الليالي التي كبرت فيها وحدك، ولا عن الأحزان التي أضافت إلى روحك أعوامًا، ولا عن الأفراح التي أعادتك طفلًا، ولا عن القلوب التي أحببتها بصدق، ولا عن القلوب التي تركت فيها شيئًا منك.

العمر ليس ما مرّ علينا من الزمن، بل ما مرّ منّا إلى الحياة.

وفي النهاية لن يتذكر الناس كم كان عمرك، ولا عدد السنوات التي عشتها، لكن بعضهم سيتذكر أنك مررت من هنا يومًا… فأزهرت في قلبه شيئًا لم يذبل بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬