امتداد قلب

بقلم : د.لينة بنت حسن عزوز
أكتب في ساعة الإحساس هذه ..
أسطري اليوم من وحي علم النفس، غير أني لم أقعد في مدراسه لم أتتلمذ على أحد أستاذته بل ولم أتطرق لقراءة كتب علم النفس في أغلب ظني، غير أن الله علّمني بفضله من هدي القرآن والسنة ما يجعلني أتحسس بوجداني البوارق الإنسانية والمؤثرات النفسية، ومواطن الشعور، وأرى بعدستي مواطن الإحساس في المداولات الإنسانية..
في آيات الله الكثير من اللمحات العاطفية، والذوق الإنساني، في حكايات الأنبياء على طول الآماد والأحقاب، شذرات كثيرة ولقطات حانية دافئة، سياق عذب سائغ، قوام متسق مرغوب، قطوف نفسية مدهشة، وصف دقيق للشعور والألم للانكسار للحزن للتوجع للقلق للخوف، بل ونهي عن مساوئ السلوكيات الدقيقة التي قد تهشم أو تحطم الغير، تأملوا معي قطرة من غيث، تأملوا معي غاية اللطف والرأفة والإحسان
وهي على سبيل البرهان لا الحصر، ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ. وأَمّا السَّائل فلا تنهر ﴾ ﴿ فذلك الذي يَدعّ اليتيم﴾ ﴿واخفض لهما جناح الذل﴾﴿ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ..﴾ (﴿ ففررت منكم لما خفتكم ..﴾ ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ..﴾ ﴿ لاتحزن إن الله معنا﴾ ﴿ مستأنين لحديث﴾ ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغا﴾ ﴿ رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ﴾..
يالله .. يالله ..هذا الدين ضخم شاسع عميق في أغواره، وإنه ليعتني باللفتات واللمسات بل وحتى المؤثرات الصوتية وإيقاع الجرس اللفظي ونبرات الكلم عبادات يؤجر المسلم ويُشكر عليها.
جميل أن تشعر بآلام غيرك كأنكما على متن سحاب ، تلمسان حواف السماء فتتناثر زهراً وشذى على القلوب المنهكة وتستحيل القلوب الملتاعة جناتٍ ألفافاً ، نفوس مضرّجة بالوصب، تغرق في بحر لجيّ من البؤس فيلقي أحدهم إليها بحبل إنقاذ وإسعاد، أحدهم ينتشل صاحب الهم من ركام الخيبات، فيلتئم ذاتاً جديدة مشرقة، يتخلّق كزهرة فوّاحة بالعبير والمعنى، يتمدد الأفق بالإخاء العذب المرهف، حنانٌ يلفّ أرجاء البشر، هناك فوق التلّة حزن يختلس النظر إلى بعضهم فيحثه أحدهم أن يعطي ظهره للمحزنات وينطلق صوب الأمل الغضّ الذي يلوح في مفرق الكون ، كوجوه مسفرة ضاحكة مستبشرة، على ضفة النهر ينتشل من قلب أحدهم شعور الخوف الطافح، وثمة آخر يتسامح ويتغافل ويُرتّل على أسماع الذين خذلوه لاتثريب عليكم يغفر الله لكم، نفسٌ مسكونة بالرأفة والتحنان، لامحل لها من الإعراب في معجم الانتقام، تتهادى بقصص الشموس وتخفض صوتها ودّاً ودفئاً ولاتصعّر خدها ولا تثنيَ عَطِفها، كمثل إنسان الربيع وألوان المحبة، يرشد الضالّ في غبش الظلام، ويهدي الحيران في الدروب الوعرة، ويستدعي مكونات الارتقاء للفئة الإنسانية لتبدو مكتملة غير معتلّة أو منقوصة أومجذوذة، أخلاق وسلوكيات بهية كأنها حدائق غُلباً، دين قوي آخاذ وسبك متوازن فمن عقيدة تتحدث عن الجنة والنار والموازين وعرصات القيامة ..إلى عبادات يقيمها في مواقيتها بأركانها وواحباتها.. إلى لمحات وابتسامات وإيقاعات صوتية وحضور معنويّ هادئ، تلافيف صغيرة لايكاد يُبين لها المرء ظناً منه أنه منشغل بآخرته لايسعه الالتفات إليها، لكنّ الاسلام جمّلها وحسّنها ومنحها رتبة عبادية جزلى وصبغة دينية فاضلة بحيث يؤجر المرء عليها؛ فهلا أعدنا صوغ العلائق الانسانية ومُحسّات البشرية وفعّلنا جرس الاحساس بكل حيران حزين، ومكروب ومهموم، والقانع والمعتر واليتيم وابن السبيل والسائل والمسكين، وحففنا وزينا السماء الدنيا بزينة الأخلاق وسقينا فجاج الأرض بماء معنويّ شعوريّ عذب فرات سائغ لأخواننا من بني آدام.
وختاماً فالحمد اله على هذا الدين وما وسَقَ من التعاليم، وما اتّسق فيه من محفزات الإسعاد والإحسان والإكرام ..
وعليكم بالأخلاق وأوفر الإحساس والشعور؛ قدموا الجيّد مما تستطيعون نِحلة طيّبة بها نفوسكم، مسرورة بها خواطركم، وابتغوا المثوبة من الكريم الوهاب ..




