وعد الوطن

بقلم الكاتبه :عبير بن صديق
في اليوم الوطني لوطننا الغالي المملكة العربية السعودية لا نحتفل بوطنٍ نراه فقط، بل بوطنٍ يسكن فينا.
نحتفل بمكانٍ اتسعت فيه أعمارنا كما اتسعت طرقه، وبأرضٍ لم تكن يومًا مجرد حدودٍ على خارطة، وإنما ذاكرةٌ تمشي معنا، وطمأنينةٌ نعود إليها، وسماءٌ ألفنا أن نرفع إليها أحلامنا دون أن نخشى اتساعها.
في هذا اليوم، يبدو الوطن أقرب إلى القلب من المعتاد؛ تتقدم صورته في الذاكرة، فنرى في تراثنا و البيوت الأولى، والطرقات التي حفظت خطواتنا، والوجوه التي صنعت أيامنا نعمة أن يكون للإنسان مكانٌ يقول عنه: هنا أنا، وهنا أريد أن أكون.
فوطننا يحبه كل من سكنه ويسكنه ، وكل من استظل بسمائه، وعاش في أمنه، وشعر أن حياته تمضي فيه بسلام.
وربما لا تبدأ حكاية الإنسان مع الوطن يوم عرف معنى كلمة «وطن».
إنها تبدأ قبل ذلك بكثير؛ من لحظة الميلاد، حين يكون حضن الأم أول مساحة للأمان، ثم تتسع الدائرة مع الأيام: بيتٌ يحتوينا، وحيٌّ نعرف تفاصيله، ومدينةٌ تحفظ ملامحنا، حتى يصبح الوطن هو الحضن الأوسع؛ ذلك الذي يعوض الإنسان عن غرباتٍ كثيرة قد لا يعرف كيف يسميها.
ولهذا، كلما تقدم العمر أصبحنا أكثر تعلقًا بالأرض التي شهدت أعمارنا.
فالطفل يشعر بالوطن مُحاط به ، والشاب يرى فيه مستقبله، والمسن عاشه ويعيشه ظلٍ يحتمى به، وعمرا يتمسك به.
واليوم الوطني ليس يومًا نعد فيه ما تحقق فحسب؛
إنه لحظةٌ نلتفت فيها إلى هذه الرحلة، ونشعر بالامتنان لما كان، والفخر بما أصبح، والثقة بما يمكن أن يكون.
فكرامة الإنسان في وطنه لا تقاس بما يأخذه منه فقط، بل بما يوقظه الوطن فيه.
تظهر حين تنمو في داخله رغبةٌ صادقة في أن يضيف، وأن يطور، وأن يتقن.
حين يصبح العمل أكثر من ساعاتٍ تنقضي، فيتحول إلى أثر.
وحين يفهم الموظف في أعلى السلم، والعامل في أبسط المهن، أن جودة ما يقدمه ليست شأنًا شخصيًا صغيرًا؛ فالأوطان الكبيرة تُبنى من تفاصيل لا يراها أحد، ومن ضمائر تعمل بإخلاص حتى عندما لا يصفق لها أحد.
الوطن الذي نحبّه هو الذي يجعلنا نريد أن نكون أفضل لأجله، وأن نجعل ما بين أيدينا أجمل مما كان.
ولهذا يبدو كل شيء مختلف؛ ،المشاريع والاستثمارات الصغيرة منها والمتوسطة والكبيرة مبتكرة خلاقة وملهمة كما تنافسها الأعمال التطوعية التي تنمو نموًا مبهرًا وعدد المتطوعين يزيدها فصولًا مختلفة ومتنوعة تتوجها ابتسامة الشباب و حماسهم المفعم من حيوية وطنٍ يتقدم، ويخبرهم أن في أحلامهم اتساعٌ يشبه اتساع الأفق، وفي رغبتهم بالتجربة والابتكار والعمل حياةٌ جديدة تقول إن المستقبل ليس بابًا مغلقًا ننتظر أن يُفتح، بل مساحةٌ واسعة يمكن أن نشارك في تشكيلها.
إنا رؤيتنا السعودية أضافت إلى هذا الشعور بُعدًا آخر؛ لم تغيّر فقط من ملامح التنمية، بل حرّكت صورة الإنسان عن نفسه.
أعادت إليه شيئًا كان ربما ينتظر من يوقظه وينبهه :
أن لديه قدرة، وأن فكرته تستحق أن تُسمع، وأن طموحه ليس أكبر من واقعه، وأن الطريق بين الحلم والإنجاز يمكن أن يُبنى خطوةً بعد خطوة.
اتسعت مساحات الحلم، وكثرت أبواب التجربة، وأصبح كل يوم يحمل فكرةً جديدة، ومشروعًا جديدًا، ومجالًا جديدًا للنجاح.
ومن الصعب على الإنسان أن يرى وطنه في حراك بهذه الحيوية ويبقى كما هو.
قد يدفعه هذا الحراك إلى تغيير جديد ، أو يمنحه شجاعة المحاولة، أو يزرع في داخله يقينًا بأن الغد يمكن أن يكون أجمل؛ وإن لم يتحقق حلمه هو، فليكن الطريق مفتوحًا أمام أبنائه.
وهنا تكمن قيمة التنمية حين تلامس الإنسان:
أن تجعل المستقبل شيئًا يمكن تخيله، ثم الاقتراب منه، ثم الوصول إليه.
لقد زرعت هذه المرحلة في الوعي صورةً مختلفة للإنسان السعودي؛ إنسانًا “يشبه جبل طويق” في ثباته، الذي أصبح قوةً خفية تلهم الفكرة فتبدأ ضوءًا صغيرًا، ثم تكبر بالإيمان والعمل، حتى تنقل الإنسان من حيز التمني إلى حيز الفعل، ومن الفعل إلى المثابرة، ومن المثابرة إلى الإنجاز. وبذلك لايكتفي الجبل بالثبات، بل يكون منبعًا للهمة والقوة والعزيمة .
لهذا، حين نحتفل باليوم الوطني، نحن لا نحتفل بالماضي وحده.
نحتفل بقدرة وطنٍ على أن يجعل ماضيه أساسًا، وحاضره حركةً، ومستقبله احتمالًا مفتوحًا.
نحتفل بوطنٍ لا يريد أن يكون نسخةً من تجربةٍ أخرى، ولا أن يقيس نجاحه بقدر اقترابه من غيره؛ بل يريد أن يكتشف إلى أي مدى يستطيع أن يستثمر أجمل ما لديه: الإنسان، والمكان، والفكرة، والإرادة.
فالأوطان لا تدخل التاريخ بكثرة ما تملك، وإنما بما تصنع بما تملك.
وهنا تبدأ الحكاية الأجمل.
أن يتحول كل فرد إلى قيمة مضافة، وكل فكرة إلى احتمال، وكل احتمال إلى تجربة، وكل تجربة إلى معرفة، وكل معرفة إلى تقدم.
أن يصبح الوطن مثمرًا لا لأنه جمع كثيرًا، بل لأنه أحسن استثمار كل ذرةٍ في أرضه وكل طاقةٍ في إنسانه.
وربما يكون أجمل ما في هذه المرحلة أن الوطن لم يعد يُرى بوصفه مكانًا نعيش فيه فقط، بل بوصفه تجربةً إنسانية تتشكل أمام العالم؛ تجربة تقول إن التحول الحقيقي لا يبدأ من الأبنية وحدها، وإنما من الإنسان حين يؤمن أن له دورًا في صناعة القادم مفتخرًا معتزًا بالماضي
وفي اليوم الوطني نرفع الراية لا بوصفها رمزًا يرفرف فوقنا فقط، بل بوصفها معنىً يرفرف داخلنا. نفرح بكل ما كان، ونعتز بكل ما أصبح، وننظر إلى القادم بعينٍ لا تخاف من اتساعه.
فالوطن الذي يمنح أبناءه الأمان، يمنحهم القدرة على الحلم.
والوطن الذي يمنحهم القدرة على الحلم، يستطيع أن يمنح التاريخ أثرًا جديدًا.
وربما يأتي يومٌ ينظر فيه العالم إلى هذه السنوات، لا ليتذكر أنها كانت سنوات نموٍ وتغيير فحسب، بل ليقول إن حقبةً كاملةً استطاعت أن تعيد تعريف الممكن، وأن تنقل مجتمعًا من حدود التوقع إلى رحابة الاحتمال، ومن انتظار المستقبل إلى المشاركة في صناعته.
في يوم الوطن، لا نحتفل بأننا هنا فقط؛ نحتفل بأننا نستطيع أن نجعل وجودنا هنا ذا معنى.
نحتفل بأرضٍ أعطتنا الأمان،
وبوطنٍ أعطانا المساحة،
وبجيلٍ يحمل الراية لا ليحرس ما وصل إليه فقط،
بل ليضيف إليها فصلًا لم يُكتب بعد.
كل عام ووطننا أكثر اتساعًا في الحلم،
وأعمق في الأثر،
وأقرب إلى الإنسان.
وكل عام ونحن لا نكتفي بأن نعيش تحت ظله…
بل نترك تحت ظله شيئًا يستحق أن يبقى.




