المستقبل لم يقل كلمته الأخيرة بعد

بقلم الكاتبة: د. سوسن توفيق حنفي
كنا في جلسة عائلية نتسامر ونضحك، ونتقاذف الأسئلة كما تُلقى الحصى الصغيرة في ماء ساكن. لا ننتظر منها أكثر من دوائر عابرة من المرح. وبين سؤال وآخر طُرح علينا: لو خُيّرت بين أن تعود إلى الماضي فتعيش حياتك التي مضت مرة أخرى، وبين أن تنتقل إلى المستقبل
المجهول، فأيهما تختار؟
اختار معظم من حولي الماضي.
أما أنا فاخترت المستقبل.
قلت إجابتي ببساطة، ومضت الجلسة إلى حديث آخر، لكن السؤال لم يمضِ معي. ظل عالقًا في ذهني، يجرّ وراءه أسئلة أكبر منه. لماذا نميل إلى ما عرفناه، وإن كان موجعًا، ونخشى ما نجهله، وإن كان قد يحمل إلينا ما هو أجمل؟ وهل نشتاق حقًا إلى الماضي كما كان، أم إلى الصورة التي أبقتها الذاكرة منه؟
فالماضي له فتنة لا تُقاوم بسهولة.
فيه وجوه أحببناها، وأصوات افتقدناها، وبيوت أُغلقت أبوابها، وأيام لم نعرف قيمتها إلا حين ابتعدت. بل إننا نشتاق أحيانًا إلى أوقات كنا نتذمر منها وهي حاضرنا، فالذاكرة رسامة ماكرة، تُبقي الضوء طويلًا، وتدع كثيرًا من العتمة تتوارى عند أطراف اللوحة.
لكن العودة إلى الماضي، لو أمكنَت، لن تمنحنا حق الانتقاء.لن نستعيد الضحكات وحدها، بل الدموع أيضًا، ولا اللقاء دون الفراق، ولا الذين أحببناهم دون أن نعيش فقدهم مرة أخرى.
ويا لقسوة أن تحتضن إنسانًا تعرف مسبقًا اليوم الذي ستفقده فيه!
عندها أدركت أنني ربما لا أريد الماضي كله، وإنما أريد منه ساعةً مع من غاب، ومساءً في بيت قديم، وحديثًا لم أطل الإصغاء إليه، وعناقًا أخيرًا لو كنت أعلم أنه الأخير لأطلته قليلًا.
وهذا ليس رغبة في العودة إلى الماضي..هذا اسمه الحنين.
ولعل عملي في الطوارئ جعل علاقتي بالزمن أكثر حساسية.
فالطوارئ مكان يكشف هشاشة المسافة بين «الآن» و«كان».
في إحدى الليالي كان رجل يحدثنا بهدوء ويمازح من حوله، وزوجته إلى جانبه تسأله أن ينام ويرتاح ولا يكثر الكلام، ثم تدهورت حالته فجأة. وبعد محاولات طويلة لإنقاذه، انتهى كل شيء.
نظرت إليه زوجته وقالت عبارة بقيت في ذاكرتي:
«لو كنت أعرف أن هذه آخر مرة يكلمني فيها، لما تركته يسكت.»
ومنذ ذلك الحين كثيرًا ما فكرت في المرة الأخيرة.
نحن نعرف البدايات ونحتفل بها، أما النهايات فكثيرًا ما تمر علينا متخفية في هيئة لحظات عادية.
لا أحد يخبرنا أن هذه آخر مائدة ستجمع أهلها، أو أن هذه آخر مكالمة، أو أن الصوت الذي نسمعه الآن سيصبح بعد زمن ذكرى نتمنى لو سمعناها مرة أخرى.
ولهذا أفهم الذين اختاروا الماضي.
فثمة أشياء لا يعوضها مستقبل، مهما كان جميلًا.
لكن الطوارئ نفسها علمتني أن أنظر إلى المستقبل بعين أخرى.
رأيت أمًا تقف أمام ابنتها المصابة بعد حادث شديد، وقد تقلص العالم كله في سؤال واحد: «هل ستعيش؟»
لم تكن تريد استعادة الأمس، ولم تكن تسأل كيف ستكون حياتها بعد أعوام.
كانت تريد فقط: أن يكون لابنتها غد.
ما أعظم المستقبل حين يصبح مجرد وجوده أمنية!
ورأيت مريضًا ظن أهله أن كل شيء قد انتهى، ثم عاد قلبه ينبض بعد إنعاش طويل. لم يكن أحد يعرف ما ستأتي به الساعات التالية، لكن المجهول في تلك اللحظة لم يعد مخيفًا. كان هدية.
ومن هنا أدركت شيئًا ظل حاضرًا في إجابتي:
قيمة المستقبل ليست في أننا نعرف أنه سيكون جميلًا، بل في أننا لا نعرف بعد ماذا يستطيع أن يكون.
فالماضي اكتمل.
لا نستطيع أن نضيف إليه كلمة، ولا نحذف منه دمعة، ولا نغير قرارًا، ولا نؤخر فراقًا.
أما المستقبل فلم يُكتب بعد.
قد يحمل وجعًا لم نختبره، نعم، فالحياة لا تعطينا ضمانات. لكن قد يكون فيه أيضًا شفاء لم نتوقعه، ولقاء لم نحسب له حسابًا، وباب يُفتح بعد أن ظننا أن الأبواب أُغلقت، وبداية تولد من نهاية حسبناها خرابًا.
وقد يكون الغموض الذي نخافه في المستقبل هو أجمل ما فيه.
فلو عرفنا مسبقًا تواريخ أفراحنا وأحزاننا، وأسماء الذين سنفقدهم، والأيام التي ستنكسر فيها قلوبنا، كيف سنعيش ما قبلها؟
كيف تضحك مع إنسان تعرف موعد رحيله؟
ربما كان جهلنا بالغد ليس نقصًا في معرفتنا، بل رحمة بالحاضر.
ومع ذلك يبقى للماضي سلطانه.
ثمة أشخاص لو قيل لنا إن بإمكاننا العودة إليهم ساعة واحدة، لبذلنا الكثير من أجلها. وثمة مجالس قديمة لا نريد منها شيئًا سوى أن نجلس فيها مرة أخرى، وأصوات يكفينا أن تعود لتنادينا بأسمائنا كما كانت تفعل.
فالحنين ليس ضعفًا.
الحنين ضريبة المحبة.
نحن لا نتألم لأن الماضي مضى فحسب، بل لأن شيئًا منا بقي فيه. نسخة أصغر منا في بيت قديم، وضحكة على مائدة تفرق أهلها، وأحلام كانت أبسط قبل أن تعلّمنا الحياة كل هذا.
ولعل أجمل ما يصور هذه الوقفة بين زمنين:
ماضٍ مضى وغدٌ ترنَّم مقبلًا
والقلبُ بينهما يحنُّ ويرقبُ
ما أجملها من صورة:
قلب يلتفت إلى الوراء فيحنّ، ويمد بصره إلى الأمام فيرقب.
يحن إلى ما عرفه وأحبه وفقده، ويرقب ذلك الغد المستتر خلف حجاب الزمن، لا يدري أيمد إليه يده بوردة أم بجرح، بلقاء أم بفراق.
وأحب في البيت لفظة «ترنّم»، فالغد لا يأتي فيه مثقلًا بالوعيد، بل يترنم مقبلًا، كأن وراء ستار المجهول لحنًا لم نسمعه بعد.
وهنا تحديدًا أعرف لماذا اخترت المستقبل.
ليس يقينًا مني بأنه سيكون أجمل، وإنما لأن فيه ما لم يعد الماضي قادرًا على منحي إياه وهو
الأمل.
الأمل في فرح لا أعرف سببه بعد، ومكان لم أره، ونجاح لم أتخيله، وطمأنينة تأتي بعد تعب ظننته لن ينتهي.
وربما يكون أجمل يوم في حياتنا يومًا لم يأتِ بعد.
ومع ذلك، فإن الحياة لا تخيّرنا حقيقة بين الأمس والغد.
الماضي أغلق بابه، والمستقبل لم يفتحه، وما نملكه حقًا هو تلك المسافة الصغيرة بينهما التي نسميها الآن.
ولعل الحكمة أن نحمل الماضي دون أن نسكنه، وأن ننتظر المستقبل دون أن نهدر حاضرنا في الخوف منه.
أن نطيل الجلوس قليلًا حول الموائد التي ما زال أهلها مجتمعين، وأن نصغي إلى الأصوات التي ما زالت تنادينا، وأن نقول لمن نحب ما نريد قوله قبل أن تتحول لحظة عادية، دون إنذار إلى «المرة الأخيرة».
فقد يأتي يوم ننظر فيه إلى أيامنا هذه، بكل ما فيها من نقص وتعب، ونكتشف أنها كانت هي الأخرى زمنًا جميلًا لم نعرف جماله إلا بعدما مضى.
أما إذا أُعيد عليّ سؤال تلك الجلسة:
الماضي أم المستقبل
فسأظل على إجابتي : المستقبل
سألتفت إلى الماضي بمحبة، وأترك له حقه في الحنين، وأحمل منه ما صنعني، ثم أمضي.
فالماضي يستدعيني بما أحببت،
أما المستقبل فيدعوني بما لم أعرفه بعد.
وقد علمتني غرف الطوارئ أن ما دام للإنسان غد، فإن الاحتمالات لم تنتهِ، وأن كمًّا من الفرج جاء بعد أن ضاقت أسبابه، وكمًّا من العافية أقبلت بعد أن خفت رجاؤها، وكمًّا من الأقدار الجميلة كانت في طريقها إلينا ونحن لا نعلم عنها شيئًا.
ولعل هذا أجمل ما في المستقبل، أننا لا نعرفه، لكننا نعرف الله.
فنستقبله بالتفاؤل، ونمضي إليه بحسن الظن، ونترك لما لا نراه مساحةً للرجاء. فما كل مجهولٍ مخيفًا، ولا كل بابٍ تأخر فتحه سيظل موصدًا، ولا كل ليلٍ طال أُعفي من موعد الفجر.
لذلك سأختار المستقبل. لا لأنني أضمن أنه أكثر رحمة، بل لأنني أؤمن أن فيما لم يأتِ بعد متسعًا لأقدار جميلة، وأبوابًا للفرج لا نعرف من أين ستُفتح.
سأترك للماضي حقه في الحنين، وللحاضر حقه في أن يُعاش، وللمستقبل حقه في أن يفاجئني.
فالماضي قال كلمته وانتهى، أما المستقبل… فلم يقل كلمته الأخيرة بعد.




