تجديد الاشتراك في الألم

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
نحن لا نعيش كل الضغوط لأن الحياة فرضتها علينا؛ بعضُها انتهى منذ زمن، لكننا نصرّ على إبقائه حيًّا، وكأننا نجدد اشتراكنا فيه كل صباح.
ندخل إلى حساب شخص نعرف أن وجوده يزعجنا، نراقب تفاصيله، ثم نتساءل: لماذا تغيّر مزاجنا؟ نعود إلى رسالة جرحتنا، نقرأها للمرة العاشرة وكأن الكلمات ستعتذر هذه المرة. نتابع أخبارًا لا نملك تغييرها، ونفتح نقاشات نعرف نهايتها، ونستعيد موقفًا قديمًا انتهى في الواقع لكنه لم ينتهِ داخل رؤوسنا.
ثم نقول: الحياة تضغط علينا.
والحقيقة أن الحياة ليست دائمًا هي التي تضغط؛ أحيانًا نحن من نضع أصابعنا على الجرح لنتأكد كل يوم أنه ما زال يؤلم.
هناك فرق كبير بين ألمٍ طرق بابك دون استئذان، وألمٍ انتهى ثم ذهبت أنت تبحث عنه. وبين خبرٍ يجب أن تعرفه، وخبرٍ لا يضيف إلى يومك سوى القلق. وبين علاقة تحتاج إلى إصلاح، وعلاقة لا تفعل سوى استنزافك كلما عدت إليها.
العقل لا يفرّق كثيرًا بين الخطر الذي يحدث الآن والخطر الذي نستحضره مرارًا في أذهاننا؛ لذلك قد ينتهي الموقف، بينما يستمر أثره لأننا نعيد عرضه داخلنا: ماذا قال؟ لماذا فعل؟ ماذا كان يقصد؟ ماذا لو حدث كذا؟ وماذا لو لم يحدث؟
وهكذا يتحول موقف واحد إلى عشرات المواقف، وجرح واحد إلى جروح متكررة، ليس لأن أحدًا أعاد إيذاءنا، بل لأننا منحنا الذاكرة وظيفة المؤذي.
أحيانًا لا تحتاج أن تغيّر حياتك؛ تحتاج فقط أن تتوقف عن زيارة ما يؤذيك فيها.
ليس كل حساب يستحق أن تفتحه، ولا كل رسالة تستحق أن تعيد قراءتها، ولا كل خبر يستحق أن يسكن رأسك، ولا كل شخص يستحق أن يعرف أنك ما زلت تراقب غيابه وحضوره
هناك أبواب لا تحتاج إلى إغلاقها بعنف؛ يكفي ألا تطرقها مرة أخرى.
والمفارقة أننا نحذف التطبيقات التي تستهلك بطارية هواتفنا، ونغلق البرامج التي تعمل في الخلفية، وننظف ذاكرة أجهزتنا باستمرار، لكننا نترك في أرواحنا عشرات الملفات المفتوحة: موقفًا قديمًا، وكلمة جارحة، وشخصًا غادر، ومقارنةً أرهقتنا، وخوفًا من شيء لم يحدث بعد.
ثم نستغرب لماذا نفدت طاقتنا.
ربما لأن بعض ما يستنزفنا لا يعيش حولنا… بل يعمل في الخلفية داخلنا.
السلام النفسي ليس أن تصبح الحياة خالية من المشكلات؛ فهذا مستحيل. السلام أن تعرف ما الذي يستحق منك التفكير، وما الذي يستحق التجاهل، ومتى يكون البحث عن إجابة حكمة، ومتى يصبح استنزافًا.
ليس ضعفًا أن تكتم حسابًا يزعجك، ولا هروبًا أن تغادر نقاشًا يستنزفك، ولا قسوة أن تضع مسافة بينك وبين شخص يعبث بطمأنينتك. أحيانًا يكون أكثر القرارات نضجًا قرارًا لا يسمعه أحد: لن أعود إلى هذا المكان نفسيًا.
نحن حريصون جدًا على ألا يسرق أحد أموالنا، لكننا أقل حرصًا على من يسرق ساعاتنا ومزاجنا وهدوءنا. مع أن المال قد يُعوَّض، أما يومٌ كامل أفسدته مراقبة شخص، أو ليلة أكلها التفكير، أو لحظة جميلة غابت لأن عقلنا كان عالقًا في الأمس؛ فهذه أجزاء من العمر لا تعود.
لهذا، حين تشعر أن الدنيا أصبحت ثقيلة، لا تسأل فقط: ماذا يحدث لي؟
اسأل أيضًا: ما الذي أسمح له أن يحدث داخلي كل يوم؟
راجع اشتراكاتك الخفية: من تراقب؟ ماذا تعيد قراءته؟ أي خبر تلاحقه؟ أي موقف تعيد محاكمته؟ وأي شخص منحته إقامة دائمة في رأسك رغم أنه لم يعد يستحق مكانًا في يومك؟
قد تكتشف أن جزءًا من راحتك لم يكن يحتاج معجزة، بل كان ينتظر منك قرارًا صغيرًا:
ألا تجدّد اشتراكك في شيء انتهى.
فليس كل ما يستحق أن تعرفه يستحق أن تعيشه، وليس كل شخص يستحق أن يبقى في يومك، وليس كل ذكرى تستحق أن تعود إليها.
بعض الأبواب حين تغلقها الحياة، لا تمد يدك من النافذة لتفتحها من جديد.




