مقالات

لا تُصغّروا انتصارات الآخرين

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

ليس كل من دخل الجامعة دخلها والطريق أمامه ممهدًا، ولا كل من تخرّج منها وصل إلى منصته محمولًا على الراحة. هناك من دخلها وهو يحمل فوق كتفيه حياةً كاملة؛ مسؤولياتٍ عائلية، وضيقًا ماديًا، ومرضًا، وفقدًا، وقلقًا، ومسافات طويلة، وحروبًا داخلية لم يرها أحد.

لذلك، من دخل الجامعة عظيم، ومن واصل فيها عظيم، ومن تعثر ثم نهض عظيم، ومن تخرّج منها عظيم أيضًا؛ مهما كان تخصصه، ومهما كان معدله، ومهما استغرقت رحلته من السنوات.

لكن العظمة لا تبدأ من بوابة الجامعة، ولا تنتهي عند شهادة البكالوريوس.

فصاحب الدبلوم عظيم، وصاحب المعهد عظيم، وصاحب الثانوية عظيم، ومن أكمل دراسته عظيم، ومن لم يستطع إكمالها عظيم أيضًا إذا ظل يتعلم ويعمل ويصنع من نفسه شيئًا رغم ما واجهه.

فليس كل من لم يصل إلى الجامعة كان عاجزًا عن الوصول، ولا كل من توقف عن الدراسة كان قليل الطموح. خلف كثير من الشهادات التي لم تكتمل قصص لا يعرفها أحد؛ أسرة احتاجت إلى من يعولها، وظروف مادية أغلقت الطريق، ومسؤوليات جاءت مبكرًا، ومرض، وفقد، وفرص لم تكن متاحة كما هي اليوم.

بعض الناس استطاعوا الوصول إلى الجامعة، وبعضهم وقفت أمامهم الحياة قبل أبوابها، لكنهم لم يقفوا.

دخلوا مدرسة أخرى لا تمنح شهادات معلقة على الجدران، اسمها الحياة.

تعلموا من العمل، ومن التجربة، ومن الخطأ، ومن الاحتكاك بالناس، ومن المسؤولية، حتى امتلك بعضهم من الخبرة والمهارة والحكمة ما يوازي سنوات من الدراسة الأكاديمية، وربما يفوقها في ميدان العمل.

وهذا لا ينتقص من الجامعة ولا من قيمة العلم والشهادات؛ فالتعليم الأكاديمي عظيم، والشهادة إنجاز يستحق الفخر، لكن الخطأ أن نجعلها المقياس الوحيد لقيمة الإنسان وعقله وكفاءته.

فالجامعة طريق من طرق المعرفة، وليست الطريق الوحيد إليها.

كم من صاحب مؤهل متواضع قاد فريقًا بكفاءة، وعلّم أصحاب الشهادات من خبرته، وحل مشكلات عجزت عنها النظريات؛ لأنه عاش الميدان وعرف تفاصيله عامًا بعد عام.

وكم من إنسان لم تمنحه الظروف فرصة إكمال دراسته، لكنه لم يتوقف عن القراءة والتعلم والتدريب والتجربة، حتى أصبح مرجعًا في عمله.

الشهادة تخبرنا بما درسه الإنسان، لكنها لا تخبرنا بكل ما يعرفه.

والمعدل يخبرنا بنتيجة اختبارات، لكنه لا يخبرنا بقدرته على القيادة، أو الإبداع، أو التواصل، أو حل المشكلات، أو الصبر تحت الضغوط.

لذلك لا تجعلوا السؤال الأول عند تقييم الناس: ما مؤهلك؟

اسألوا أيضًا:

ماذا تعلمت؟ ماذا أنجزت؟ ما المهارة التي تمتلكها؟ ما الأثر الذي تركته؟ وكم مرة صنعت من قلة الفرص فرصة؟

فالإنسان أكبر من ورقة، وأوسع من مسمى، وأعمق من رقم في شهادة.

نرى في نهاية رحلة الطالب صورةً بثوب التخرج وابتسامةً واسعة، ولا نرى الليالي التي سبقتها؛ ولا نرى في حياة من لم يتخرج أبوابًا حاول طرقها ولم تُفتح له.

نرى المعدل، ولا نرى المعركة.

نرى المؤهل، ولا نرى الظروف.

نرى النهاية، ولا نعرف الطريق.

وهنا يكمن ظلم المقارنات؛ لأن الناس لم يبدأوا الحياة من نقطة واحدة، ولم يحصلوا على الفرص نفسها، ولم يحملوا الأعباء ذاتها.

قد يتخرج أحدهم بمرتبة شرف، وهذا إنجاز يستحق الاحتفاء.

وقد يحصل آخر على دبلوم ويصبح بخبرته من أمهر العاملين في مجاله، وهذا أيضًا إنجاز يستحق الاحترام.

وقد لا يحمل ثالث شهادة جامعية، لكنه يحمل ثلاثين عامًا من الخبرة والمعرفة والتجربة والنجاح، فبأي ميزان نقلل منه؟

لا تجعلوا التعليم وسيلة للتفاخر على الناس، بل اجعلوه سببًا لمزيد من التواضع.

فأجمل ما تمنحه المعرفة للإنسان أن تجعله أكثر فهمًا لاختلاف ظروف البشر، لا أكثر تعاليًا عليهم.

احترموا جميع الرحلات.

احترموا من أكمل.

واحترموا من لم يستطع الإكمال.

احترموا صاحب الدكتوراه والبكالوريوس والدبلوم والمعهد والثانوية، واحترموا كذلك من علمته الحياة ما لم تسمح له الظروف أن يتعلمه في مقاعد الدراسة.

ولا تسخروا من تخصص أحد، ولا تحتقروا معدله، ولا تقللوا من مؤهله، ولا تستخدموا الشهادات لتصنيف قيمة البشر.

فقد تكون الورقة التي تراها بسيطة خلفها عمر كامل من الكفاح.

وقد يكون الشخص الذي لم يدخل الجامعة قد بنى نفسه بنفسه حتى أصبح مدرسةً يتعلم منها الآخرون.

قولوا للمتخرج: مبارك وصولك.

وقولوا لمن لا يزال يحاول: واصل، فنحن نرى تعبك.

وقولوا لمن لم تسمح له الحياة بإكمال الطريق: قيمتك لم تتوقف عند شهادة، وما تعلمته وصنعته وأنجزته جزء من مؤهلك الحقيقي.

فإن لم تجدوا كلمةً ترفع إنسانًا، فلا تقولوا كلمةً تهدمه.

قولوا خيرًا ودعمًا، أو اصمتوا واعبروا بسلام.

فهذه الحياة مليئة بمعارك صامتة، وكل إنسان تقابله يحمل قصة لا تعرف منها إلا الغلاف.

ولعل العدل الحقيقي بين البشر أن ندرك أن التعليم ليس شهادة فقط، والنجاح ليس معدلًا فقط، والإنسان لا تختصره خانة المؤهل.

هناك من تعلم في الجامعة، وهناك من تعلم من الحياة، وهناك من جمع بينهما.

وكل من قاوم ظروفه، وطوّر نفسه، ونفع غيره، وترك أثرًا جميلًا، فقد نجح بطريقته.

فليست كل العظمة في أن تصل إلى أعلى شهادة…

أحيانًا تكون العظمة في أن تصنع من الطريق الذي أُتيح لك حياةً تستحق الاحترام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬