مقالات

دُور الإيواء التي لا تحمل لافتة

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي

حين نسمع عبارة «دار الإيواء»، يذهب خيالنا فورًا إلى مبنى كبير، وغرفٍ تستقبل من ضاقت بهم الطرق، وأبوابٍ تُفتح لمن فقدوا مأوى يحميهم من البرد والخوف والوحدة.

لكن ماذا لو كانت أكبر دُور الإيواء في حياتنا لا تحمل لافتة على أبوابها؟

وماذا لو أننا اختصرنا معنى الإيواء في سقفٍ وجدران، بينما الإنسان قد يحتاج في لحظة ضعفه إلى مأوى للروح أكثر من حاجته إلى مأوى للجسد؟

فالبيت مأوى، والأم مأوى، والأب مأوى، والأبناء مأوى، والزوج مأوى، والصديق مأوى، والكلمة الطيبة مأوى، والاحتواء مأوى، وحتى الإنسان قد يصبح لنفسه مأوى عندما تضيق به الدنيا.

لكن قبل كل هؤلاء، وفوق كل هؤلاء، وبعد أن يعجز كل هؤلاء…

يبقى الله هو الملجأ الأول والأخير.

فكل مأوى في الدنيا قد يُغلق بابه، وكل يدٍ قد تتعب من حملنا، وكل قلبٍ قد يعجز عن فهمنا، وكل إنسان مهما أحبنا تبقى قدرته محدودة؛ أما الله، فنذهب إليه بأثقالنا كلها، بما نعرف كيف نقوله وما نعجز عن قوله.

نأتيه بقلوبنا المزدحمة، بدموعنا التي أخفيناها عن الجميع، بخوفنا الذي لم نجرؤ على الاعتراف به، وبأوجاعٍ لا يعرف أسماءها سوانا…

فنجد أن أقرب طريق للنجاة كان دائمًا إلى الله.

﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾.

وكأن في الآية رسالة تختصر كل الحكاية:

حين تضيق بك الأماكن، لا تبحث فقط عن مكان تهرب إليه؛ ابحث عن الله.

حين تتعبك الوجوه، لا تبحث فقط عمّن يسمعك؛ ارفع شكواك إلى الله.

حين تخذلك الأبواب، تذكّر أن هناك بابًا لم يكن يومًا موصدًا في وجهك.

لهذا نحن لا نبحث دائمًا عن مكان نسكنه؛ أحيانًا نبحث عن إنسان نسكن إليه، وفي أعمق حالات انكسارنا نبحث عن ربٍّ نسكن بذكره، ونطمئن بقربه، ونستودع عنده ما لم نستطع حمله وحدنا.

كم من شخص يملك بيتًا واسعًا، لكنه بلا مأوى!

ينام بين أربعة جدران فاخرة، ومع ذلك يشعر أنه مشرّد من الداخل؛ لأنه لا يجد قلبًا يسمعه، ولا يدًا تربّت على كتفه، ولا صوتًا يقول له:

«أنا هنا… لا تخف.»

وكم من إنسان لا يملك من الدنيا إلا غرفة صغيرة، لكنها تتسع له ولأحزانه ولضحكته ولتعبه؛ لأن فيها أمًّا إذا عاد منهكًا عرفت من عينيه ما لم يقله لسانه، أو أبًا يشعر بوجعه قبل أن يشكو، أو زوجًا يحتوي ارتباكه، أو ابنًا صغيرًا يركض نحوه فينسى للحظة قسوة العالم.

هذه أيضًا دُور إيواء.

ولكنها دُور أودع الله فيها شيئًا من رحمته، وجعل بعض البشر لبعضٍ سكنًا ورحمة.

فالأم ليست فقط امرأة أنجبتنا؛ إنها أول مأوى بشري عرفناه قبل أن نعرف شكل العالم.

حملتنا في جسدها قبل أن تحملنا الحياة على أكتافها الثقيلة، وحين نكبر نظن أننا استغنينا عن ذلك المأوى، حتى تضعفنا الأيام فنكتشف أن كلمة واحدة منها كانت تستطيع أن تعيد ترتيب فوضى كاملة في صدورنا.

والأب دار إيواء من نوع آخر.

قد لا يجيد كثيرًا التعبير عن الحب، لكنه يقف في الخلف كجدارٍ لا نلتفت إلى قوته إلا حين يغيب. نتقدم في العمر، نملك المال والمناصب والبيوت، ثم ندرك متأخرين أن بعض الأمان كان رجلًا يجلس في زاوية البيت، وأن وجوده وحده كان يجعل الحياة أقل خوفًا.

أما الأبناء، فنظن أننا نحن من نؤويهم، ولا ننتبه إلى أنهم في أوقات كثيرة هم الذين يؤووننا.

كم من أمّ قاومت انهيارها لأنها رأت أبناءها أمامها؟

وكم من أب ابتلع ألمه لأن هناك عيونًا صغيرة تنتظر منه الأمان؟

الأبناء أحيانًا لا يعرفون أنهم السبب الذي جعل والديهم ينهضون صباحًا بعد ليالٍ كان كل شيء فيها يدعوهم إلى السقوط.

إنهم دُور إيواء تمشي على قدمين، وتقول لنا دون أن تدري:

ما زال في الحياة شيء يستحق أن نقاوم من أجله.

والزوج أو الزوجة قد يكون أحد أجمل المآوي التي يمنحها الله للإنسان؛ ليس لأن الحياة بينهما تخلو من الخلاف، بل لأن معنى السكن الحقيقي أن يجد الإنسان في الآخر مساحة آمنة يعود إليها عندما ترهقه بقية المساحات.

أن يكون البيت مكانًا لا يخشى فيه الإنسان أن يكون ضعيفًا.

أن يستطيع أن يقول:

«تعبت»…

دون أن يُتهم بالمبالغة.

وأن يقول:  «أخاف»… دون أن يُسخر منه. وأن يصمت…

فيُفهم صمته قبل أن يُساء تفسيره.

والأصدقاء أيضًا قد يكونون مآوي.

ذلك الصديق الذي تستطيع أن تقول أمامه: «أنا لست بخير» دون أن تخشى أن يستخدم ضعفك ضدك، دار إيواء.

ومن يعرف أسوأ ما مررت به ثم لا يغيّر نظرته إليك، دار إيواء.

ومن يستمع إلى حديثك المبعثر حتى النهاية، ولا يطالبك بأن تكون قويًا طوال الوقت، يمنح روحك مساحة تستريح فيها ولو لدقائق.

حتى الكلمة قد تصبح دار إيواء.

رسالة تصل في لحظة انهيار.

دعوة صادقة في ظهر الغيب.

يد توضع على كتف حزين.

عبارة: «أنا معك».

سؤال حقيقي: «كيف حال قلبك؟»

أشياء صغيرة في ظاهرها، لكنها قد تنقذ إنسانًا من ليلة لا يعرف أحد كيف عبرها.

وقد تكون الوظيفة مأوى للكرامة، والمدرسة مأوى للطفل، والمجتمع مأوى للضعيف، والمسجد مأوى للروح، والوطن مأوى للإنسان، والعدل مأوى للمظلوم، والرحمة مأوى لكل من أتعبته قسوة الحياة.

فالإيواء مفهوم أكبر كثيرًا من مبنى يحمل اسمًا رسميًا.

إنه أن تجعل وجودك في حياة الآخرين أمانًا لا خوفًا، وسترًا لا فضيحة، ورحمة لا قسوة، واحتواءً لا إقصاءً.

لكن المؤلم أن بعضنا يحوّل دُور الإيواء إلى دُور طرد.

بيتٌ لا يحتمل أخطاء أبنائه.

زوجٌ يجعل شريكه خائفًا من الكلام.

قريبٌ يحفظ أسرارك ليستخدمها يوم الخصام.

صديقٌ يفتح لك صدره ثم يغلقه حين تحتاجه.

أبناءٌ يكبرون وينسون أن ظهرًا انحنى كي تستقيم ظهورهم.

وأناسٌ يسألونك عن وجعك، لا ليحتووك… بل ليعرفوا أين يؤلمك الضرب أكثر.

هنا يبدأ التشرد الحقيقي.

فالتشرد ليس دائمًا أن تنام على الرصيف؛ قد تنام إلى جوار شخص تحبه وتشعر أنك بلا وطن.

وقد تجلس وسط عائلتك وتشعر أنك غريب.

وقد تمتلك مئات الأرقام في هاتفك، ولا تجد شخصًا واحدًا تستطيع الاتصال به حين تنكسر في منتصف الليل.

وقد تمتلئ حياتك بالناس، بينما روحك تبحث عن مأوى.

ولكن حتى عندما تفقد كل المآوي البشرية، هناك حقيقة يجب ألا ننساها:

من كان الله مأواه، فلن يكون بلا مأوى.

قد يبكي، ويتعب، ويضعف، ويمر بأيام ثقيلة، لكنه يعرف إلى أين يتجه عندما تنتهي الحيل

يعرف أن سجدة واحدة قد تحمل من صدره ما عجز عن شرحه في ألف حديث.

وأن دمعة بين يدي الله لا تحتاج إلى تبرير.

وأن الدعاء ليس آخر الحلول، بل هو أول أبواب الطمأنينة.

فالناس قد يسألونك: لماذا تبكي؟

أما الله فيعلم سبب البكاء قبل أن تسقط الدمعة.

الناس يسمعون ما تقوله.

والله يعلم ما عجزت عن قوله.

الناس يرون ظاهرك.

والله يعلم كيف خضت معاركك وحدك.

ولهذا فإن أعظم دار إيواء للروح هي أن تعرف أن لك ربًا لا تحتاج أمامه إلى أقنعة.

تأتيه مكسورًا، فيعلم كسرك.

خائفًا، فيعلم خوفك.

حائرًا، فيعلم حيرتك.

ولا يثقل عليه كثرة رجوعك.

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.

والأخطر من فقدان المآوي الخارجية أن يفقد الإنسان مأواه داخل نفسه.ث

أن يصبح قاسيًا على ذاته، يجلدها على كل خطأ، ويحاكمها على كل سقوط، ويقارنها بالآخرين حتى يكرهها، ثم يبحث في الخارج عمن ينقذه من نفسه.

وهنا يجب أن نتعلم أن نكون لأنفسنا مأوى أيضًا.

لا بمعنى أن نستغني عن الله أو عن الناس، بل أن نرحم النفس التي خلقها الله، وألا نضيف إلى قسوة الحياة قسوةً أخرى من داخلنا.

أن نقول بعد الخسارة:

سنبدأ من جديد بإذن الله.

وبعد الخطأ:  سنتعلم ونستغفر.

وبعد الخذلان:  لن نجعل تصرف إنسان واحد يحدد قيمتنا.

وبعد التعب:  من حقنا أن نستريح.

فليس من العدل أن تمنح العالم كله اللطف، ثم تعود إلى نفسك بالسياط.

نحن جميعًا — مهما بدونا أقوياء — نحتاج إلى مأوى.

نحتاج إلى الله قبل كل شيء.

ثم نحتاج إلى بيت لا نخاف العودة إليه.

إلى والدين نشعر بقربهما أن العمر مهما تقدم بنا ما زال فيه شيء من الطفولة.

إلى أبناء يعرفون أن بر الوالدين ليس هدية موسمية ولا رسالة في مناسبة، بل مأوى يُعاد إلى من آوانا يوم لم نكن نملك حتى القدرة على حماية أنفسنا.

إلى شريك حياة يكون سكنًا لا ساحة حرب.

إلى إخوة لا تجعلهم المواريث والاختلافات غرباء.

إلى أصدقاء لا يجعلون الود عقدًا مشروطًا بالمصلحة.

إلى مجتمع لا يترك الضعيف وحده.

وإلى أنفس تعرف كيف تحتضن نفسها عندما يتأخر الجميع.

لهذا، لا تسأل فقط: أين دُور الإيواء؟

انظر حولك.

ربما أنت دار إيواء لوالد يخشى أن يصبح عبئًا عليك.

وربما أنت مأوى لأم لا تطلب الكثير، لكنها تنتظر صوتك.

وربما أنت مأوى لابن يبدو قويًا بينما يخوض معركة لا تعرف عنها شيئًا.

وربما أنت مأوى لأخ أو أخت أنهكتهما الحياة.

وربما أنت آخر صديق يستطيع شخص ما أن يقول أمامه الحقيقة دون خوف.

وربما هناك إنسان في حياتك يعتبرك آخر مكان آمن في هذا العالم…

فإياك أن تجعله يشعر بالتشرد وهو إلى جوارك.

لكن لا تجعل أحدًا أيضًا هو مأواك الوحيد؛ فالناس بشر، يتغيرون، يمرضون، يغيبون، ويموتون.

أحبهم، احتمِ بدفئهم، كن لهم مأوى، واستمتع بوجودهم…

لكن علّق قلبك بمن لا يغيب…الله…

لأن الأم قد ترحل.

والأب قد يغيب. والأبناء يكبرون.والأصدقاء تفرقهم الطرق.والبيوت نفسها قد تتغير.

ويبقى للإنسان في كل زمان ومكان باب يستطيع أن يطرقه دون موعد:

باب الله.

في النهاية، أعظم البيوت ليست تلك التي تحمينا من المطر، بل تلك التي تحمينا من الانكسار.

وأجمل الأبواب ليست التي تفتح بالمفاتيح، بل التي تفتح لنا مهما أثقلتنا الحياة.

فكونوا لبعضكم دُور إيواء…

آووا خوف والديكم قبل أن يأتي يوم تبحثون فيه عن أصواتهم فلا تجدونها.

آووا أبناءكم قبل أن يبحثوا عن الأمان في المكان الخطأ.

آووا أزواجكم، وإخوتكم، وأصدقاءكم، وكل قلب وضع الله طريقه في طريقكم.

لا تفضحوا ضعف من احتمى بكم.

لا تستخدموا أسرارهم سلاحًا.

لا تجعلوا محبتكم مرتبطة بتمامهم وكمالهم.

كونوا سترًا، ورحمة، وسكينة.

وآووا أنفسكم بالرحمة، وداووها بالصبر، وأعيدوها في كل مرة إلى الله.

فقد نبحث طويلًا عن مأوى في البيوت والوجوه والقلوب، ثم نفهم متأخرين أن كل تلك المآوي جميلة، لكنها مؤقتة…

أما المأوى الذي لا يغيب، والباب الذي لا يُغلق، والملجأ الذي لا يخذل من قصده بصدق… فهو الله.

ثم ما أجمل أن يجعلنا الله، بعد ذلك، مأوى ورحمةً لبعضنا البعض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬