مقالات

حين ننتبه إلى ما نملك

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

الحياة لا تسير على وتيرةٍ واحدة؛ فيها ما يفرح القلب حتى يفيض، وفيها ما يثقله بالحزن حتى يظن أن لا شيء بعده يمكن أن يكون جميلًا. وبين هذا وذاك، نعيش محاطين بنِعَم كثيرة، نألف وجودها حتى تصبح في أعيننا عادية، فنمر عليها كل يوم دون أن نشعر بقيمتها، وكأن النعمة لا تستحق الانتباه إلا حين تبدأ في الرحيل.

فسريرٌ في المنزل، مهما كان بسيطًا، قد يكون أعظم من أفخم سرير إذا كان الآخر في غرفة مستشفى، تُراقَب فوقه الأنفاس، وتُحصى النبضات، ويرى الإنسان من حوله هشاشة الحياة وقرب الرحيل. هناك فقط يدرك أن العودة إلى فراشه في بيته، بين أهله وأشيائه الصغيرة، لم تكن أمرًا معتادًا كما كان يظن، بل نعمة كاملة كان يعيش داخلها دون أن ينتبه.

وضيق الحال والرزق الذي نتذمر منه، مهما أثقل النفس وأتعب التفكير، يظل أهون من ضيقٍ في الصدر يجعل الإنسان يتمنى شهيقًا كاملًا بلا ألم ولا خوف ولا معاناة. ففي لحظة واحدة قد يتحول الهواء، ذلك الشيء الذي لم نفكر يومًا في ثمنه، إلى أغلى أمنية.

والحاجة إلى المال، وإن أرهقت صاحبها، وقلة ذات اليد، وإن جعلت بعض الأبواب موصدة، يمكن احتمالها والصبر عليها والسعي لتغييرها، أما حين تقل الصحة، فإن كثيرًا مما كنا نراه مهمًا يفقد معناه. وقد يصبح صاحب المال مستعدًا أن يتنازل عن الكثير مما جمعه مقابل يوم واحد يستيقظ فيه بلا وجع، ويمشي بلا تعب، وينام دون دواء، ويعيش يومه دون أن ينتظر نتيجة فحص أو موعدًا طبيًا يقلق قلبه.

هكذا تعيد الحياة ترتيب أولوياتنا بطرق لا نتوقعها.

فقدان بعض النعم يؤلم، لكن فقدان العافية يكشف لنا نِعَمًا أخرى كانت تمر بنا كل يوم ولم نكن نعدها أصلًا من النعم. أن تنهض من فراشك وحدك، أن تمشي حيث تريد، أن تتناول طعامك دون ألم، أن تسمع ضحكة من تحب، أن تعود إلى بيتك في المساء، أن تنام وأنت لا تنتظر خبرًا يخيفك… كل هذه أشياء تبدو صغيرة ما دامت موجودة، لكنها تصبح عظيمة جدًا حين تغيب.

وربما كانت مشكلة الإنسان أنه ينظر كثيرًا إلى ما ينقصه، وقليلًا إلى ما بقي معه.

ينشغل بما لم يحصل عليه، فينسى ما حصل عليه منذ سنوات.

يحزن على باب أُغلق، ولا يرى النوافذ التي ما زالت مفتوحة… يتعبه ما تأخر، وينسى ما نجا منه.

ويظن أن سعادته مرهونة بشيء قادم، بينما قد تكون السعادة جالسة إلى جواره في صورة صحة، أو بيت، أو أسرة، أو قلب مطمئن، أو صباح جديد لم يحمل له خبرًا سيئًا.

نحن نؤجل الامتنان كثيرًا… نقول: عندما تتحسن ظروفي سأرتاح.. وعندما يزيد دخلي سأطمئن.

وعندما تتحقق أمنيتي سأشعر أن الحياة جميلة.

ثم تمضي الأيام، فنكتشف أن الحياة كانت تمضي معنا طوال الوقت، وأننا كنا منشغلين بانتظارها أكثر من عيشها.

والأغرب أننا لا نعرف قيمة كثير من الأشياء إلا عندما نفقد جزءًا منها.

لا نعرف قيمة النوم حتى يزورنا الأرق.

ولا قيمة الحركة حتى يتعب الجسد.

ولا قيمة البيت حتى نُجبر على الابتعاد عنه.

ولا قيمة الأشخاص حتى يخلو مكانهم.

ولا قيمة الأيام العادية حتى تدخل حياتنا أيام نتمنى فيها فقط أن يعود كل شيء كما كان.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أن ما كنا نسميه يومًا عاديًا قد يتحول يومًا إلى أمنية.

لذلك ليس الغنى الحقيقي دائمًا في كثرة المال، ولا الفقر دائمًا في قلته.

قد يكون الإنسان محدود الدخل لكنه غني بالعافية، غنيًا بمن يحب، غنيًا ببيتٍ يؤويه، وبعين ترى، وقدَم تمشي، وصدر يتنفس دون جهاز.

وقد يملك آخر الكثير، لكنه مستعد أن يدفعه كله مقابل شيء بسيط لم يكن يلتفت إليه من قبل.

فالحياة لا تُقاس فقط بما نملكه، بل أيضًا بما لم نفقده بعد.

كم من مرض لم يصبنا؟

كم من خبر سيئ لم يصل إلينا؟

كم من حادثٍ صرفه الله عن طريقنا ونحن لا نعلم؟

كم من مصيبة تجاوزتنا دون أن نراها؟

وكم من نعمة بقيت معنا حتى الآن، بينما نحن مشغولون بنعمة أخرى لم تأتِ بعد؟

ربما لو عرف الإنسان مقدار ما نجا منه، لشكر أكثر مما اشتكى.

ولو رأى الأشياء بعين من فقدها، لأحب تفاصيل حياته التي كان يصفها بالروتين.

فكوب القهوة في بيتك ليس مجرد كوب.

وصوت أبنائك في الغرفة المجاورة ليس مجرد ضجيج.

والطريق الذي تسلكه كل صباح ليس مجرد طريق.

واليد التي تفتح بها الباب، والعين التي ترى بها، والقدم التي توصلك، والنَفَس الذي يأتيك دون أن تطلبه… ليست تفاصيل هامشية، بل الحياة نفسها في أبسط صورها.

وليس المقصود أن ننكر أحزاننا أو نصغر أوجاعنا؛ فلكل إنسان حمله الذي لا يراه الآخرون، ولكل قلب معركته الخاصة. لكن الحكمة أن نحزن دون أن ننسى ما بقي، وأن نتعب دون أن نجحد النعم، وأن نسمح لأنفسنا بالحزن من غير أن نغلق أعيننا عن كل ما يستحق الحمد.

فليست الحياة الكاملة هي التي تخلو من النقص؛ فالكمال ليس من طبيعتها أصلًا.

الحياة الجميلة هي التي نعرف كيف نرى فيها ما بقي جميلًا رغم النقص.

أن نخسر شيئًا دون أن نشعر أننا خسرنا كل شيء.

أن تضيق بنا الظروف دون أن تضيق أرواحنا.

أن يقل المال دون أن تقل قناعتنا.

أن تتأخر أمنية دون أن نفقد امتناننا لما تحقق.

وأن تمر بنا الأيام فلا ننتظر الفقد حتى نتعلم قيمة الأشياء.

ربما لا نحتاج دائمًا إلى مزيدٍ من النعم حتى نشعر أننا بخير.

ربما نحتاج فقط إلى لحظة صدق نتأمل فيها حياتنا، ثم نسأل أنفسنا:

كم شيء أملكه اليوم لو فقدته غدًا، لتمنيت أن أعود إلى هذه اللحظة تحديدًا؟

عندها فقط سنفهم أن بعض أعظم النعم لا تصنع ضجيجًا حين تأتي، لأنها كانت معنا منذ البداية.

وأن العافية لا تعلن عن نفسها كل صباح.

وأن الأمان لا يطرق الباب ليخبرنا أنه موجود.

وأن الأشخاص الذين نحبهم لا يبقون إلى الأبد.

وأن الأيام لا تعيد نفسها كما نظن.

فالحياة ليست أن تملك كل شيء، بل أن تعرف قيمة ما بقي بين يديك قبل أن يصبح يومًا شيئًا تتمنى عودته.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬