مقالات

خلق الرحمة

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

بسم الله الرحمن الرحيم

  الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد ، وعلى آله ، وصَحْبه أجمعين ، وبعد:

معاشر القراء الكرام : إنَّ من الأخلاق الحسنة ؛ التي دعا إليها ديننا الإسلامي خلق الرحمة ؛ التي اشتقت من اسميه الرحمن الرحيم ؛ فالرحمن معناه صاحب الرحمة العامة الواسعة على الإنسان وغيره ، والمؤمنُ والكافر ؛ والبر والفاجر ، قال الله تعالى : – ورحمتي وسعت كلَّ شيء – والرحيم الموصل لرحمته تعالى إلى من يشاء من عباده ، فهي رحمة خاصة بالمؤمنين كما قال تعالى : – وكان بالمؤمنين رحيماً – 

  معاشر الإخوة الكرام : لقد رغبنا رسولنا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه وسلم في الرحمة بالخلق ؛ في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : – قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين ابنا علي ، وعنده الأقرع بن حابس التميمي ، فقال الأقرع : إنَّ لي عشرةً من الولد ما قبلت منهم أحداً قط ؛ فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : من لا يَرحم لا يُرحم – وفي الحديث الآخر : – الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك و تعالى ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء – رواه أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم ، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 925 وقال صلى الله عليه وسلم : – إنَّ لله مائةَ رحمةٍ أنزل منها رحمةً واحدة بين الجن والإنس ، والبهائم ، والهوام فبها يتعاطفون ، وبها يتراحمون ، وبها تعطف الوحوش على ولدها ، وأخَّرَ الله تسعاً وتسعين رحمةً يرحم بها عباده يوم القيامة – متفق عليه . وفي الحديث المتفق عليه أيضاً واللفظ لمسلم من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : – قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْيٍ ؛ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا ، وَأَرْضَعَتْهُ ؛ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ؟ قُلْنَا : لَا وَاللَّهِ ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا – .

معاشر القراء : إليكم بعض النصوص الشرعية الآمرة بالرحمة لغير بني آدم ؛ فالأمر بالرحمة لبني آدم من باب أولى وأحرى ؛ قال صلى الله عليه وسلم : – إنَّ الله تبارك وتعالى كتب الإحسان على كل شيء ؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحدَّ أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته – رواه مسلم في صحيحه ، وفي الحديث الآخر المتفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا – وفي رواية : – أوثقتها حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ ؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا ؛ إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا ؛ وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ – .

معاشر الإخوة : أين الرحمة من قلوبٍ أصبحت أقسى من الحجارة ؛ والتي لا تؤمن بدينٍ صحيحٍ ، ولا عقلٌ سليم؛ ولا فطرةٍ سوية تستنكر أفعال الملاحدة الجاحدين ؛ والخوارج المارقين ؛ والروافض الحاقدين ؛ واليهود الغاصبين ؛ ومن نحا نحوهم ؛ من أهل الشر والفساد المفسدين – الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعاً – الذين نزع الله من قلوبهم الرحمة والإيمان ؛ وملأها شراً وكرهاً وحقداً على أهل السنة والإسلام ؛ فروعوا المسلمين ؛ وأخافوا الآمنين ، وسفكوا دماء المعصومين ، وأتلفوا أموالهم ، وانتهكوا أعراض نسائهم ؛ وغيرها من صور أهل الشر والفساد المجرمين ؛ التي لا تصدر إلا من كان عنده خللٌ عقدي ، ولوثٌ فكري ، وخواءٌ روحي ، وفسادّ خلقي – وإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور – .

وتأملوا معي معاشر القراء : كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل التعامل الحسن مع أعداء الله ورسوله في حال حربه وسلمه ، وأمنه وخوفه معهم ؛ ورحمته بأهل الإسلام من باب أولى وأحرى ؛ وفي الحديث عن – سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ، ثُمَّ قَالَ : اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ؛ اغْزُوا ، وَلَا تَغُلُّوا ، وَلَا تَغْدِرُوا ، وَلَا تَمْثُلُوا ، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا ، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ؛ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإسلام ؛ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ.…- الخ ؛ رواه مسلم ، وفي الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : – بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ فَقَالَ عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ ؛ فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ ثُمَّ قَالَ لَهُ : مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ قَالَ : مَا قُلْتُ لَكَ : إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ؛ فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ ؛ فَقَالَ : مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ فَقَالَ : عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ : فَقَالَ أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ ؛ فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؛ يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ ؛ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ ؛ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ ؛ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ … – الخ الحديث .

فهذه بعض المواقف المشرفة التي دعا ديننا الإسلامي إلى الرحمة بخلق الله ؛ وهذا هو تعامله مع

أعدائه في حال السلم والحرب ، والأمن والخوف فيسعنا في التعامل مع الناس ما وسع نبي الرحمة والهدى صلوات ربي وسلامه عليه من الأخلاق الطيبة الرفيعة ، والصفات العالية النبيلة ؛ ومنها صفة الرحمة بالخلق ؛ وصدق الله تعالى إذ يقول : – وإنَّك لعلى خلق عظيم – ويقول : – لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ؛ نسأل أن يصلح قلوبنا وأعمالنا ؛ وأن يحبب إلينا الايمان وأن يزينه في قلوبنا ؛ وأن يكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان وأن يجعلنا من الراشدين ؛ اللهم آمين .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬