خاطف لايُرى

بقلم الكاتبه : رجاء الطويل
في اللحظة التي يختفي فيها شخص يتغير شكل الحياة ويصبح كل شيء لامسه شاهداً على الغياب
باب غرفته ،سريره ،خزانته، ملابسه.
أوقات عصيبة ولحظات قاسية، عين على الهاتف وأخرى على الباب في انتظار شخص تحبه وقد أصبح في مكان تجهله.
في حيرة تتساءل هل هو بخير ؟هل سيعود ؟وكيف سيكون بعد العودة؟ من اختطفه ولماذا؟
لكن ماذا لو لم يختفي؟
ماذا لو بقي مكانه؟
يجلس على ذات الطاولة يتكلم حينا ويصمت حينا ،تراه لذا تظن أنه معك، بينما جزء منه غادر منذ زمن وابتعد.
في هذا الزمن لا يحتاج الخطف إلى حركة لا باب يُكسر ولا قيد يُوضع ،ولا حتى صوت استغاثة.
إنه فقط انتقال سهل ومريح من الواقع إلى ما يشبه. لا أتحدث هنا عن تطبيق محدد ولاعن الإنترنت بوصفه شراً يجب الهروب منه.
بل أتحدث عن منظومة كاملة صممت لجذب انتباه الإنسان ثم تبقيه هناك
دقيقة بعد دقيقة ، إشعار تلو الآخر
فيديو يقود إلى فيديو ،وخبر يجر خبر، حتى يُجر ويُقيد في مكان لم يكن ينوي دخوله أصلا.
الخطف الرقمي، يخطف حواسك دون أن تشعر، و أمام هذا الخاطف أنت لا تقوم بأي فعل يدل على المقاومة،بل تفتح له الباب طواعية، تضعه على طاولة الطعام ،تحمله إلى غرفة نومك، عملك ،يخطفك كذلك عن وقتك، عن عائلتك.
ثم تتساءل في لحظة تسللت فيها من يد خاطفك، مع أن العجب هنا إنك أنت من يمسك بيده ولا يفارقه، ثم تتساءل
لماذا أصاب علاقاتنا البرود؟ لماذا لم نعد نستطيع قراءة صفحتين في كتاب دون أن نشعر بالملل ؟لماذا أصبح كل شيء باهت لا لون ،وبلا طعم.
ولماذا طالت ساعات جلوسنا وحدنا وخيم الصمت على جمعاتنا، حتى الصبر لا طاقة لنا به.
وكم مرة جلست لعمل شيء محدد ووجدت نفسك تنتقل بين أشياء لا تتذكر كيف وصلت إليها.
كم مرة فتحت هاتفك لفعل شيء ثم أغلقت الشاشة ولم تفعل ما فتحته من أجله أصلاً!؟
وكم مرة سرق منك الهاتف لحظة كان يفترض أن تكون لإنسان أمامك ؟
وكم أخذت الشاشة من يومك ما لن تعرف قيمته إلا بعد سنوات؟.
المشكلة الحقيقية ليست في الوقت الضائع فحسب بل في الفدية التي تدفعها تدريجياً من رصيدك النفسي ،من قدرتك على الإحتمال، والإنتباه ،والتأني ،والتأمل .
فها أنت تبدأ يومك بما اختاره الآخرون لك.
خبر ،صورة، إعلان ،رأيي، حتى ينتهي اليوم وانت ممتليء بكل شيء ….ولا شيء.
إذا القضية لم تعد قضية تكنولوجيا أخذت ساعات من عمرك ،بل أنها بدأت تشارك في تحديد ما تراه مهم ويستحق أن تغضب لاجله، وما تخاف منه، ومن تحب ،وما تكره.
هنا عرفت التقنية المدخل الأقرب إليك ….انتباهك.
من يملك انتباهك يملك فرصة للتأثير فيك.
من يملك انتباهك الآن راقب
أنت تأكل وعيناك على الشاشة، تستيقظ وتبحث عن الهاتف قبل أهلك ،تصاب بالحيرة والملل إذا انقطع الإنترنت ،عند أي شعور بالقلق أو الملل تمسك بهاتفك،حتي في لحظة الصمت تقفز يدك لتحمله.
لا تبحث في نهاية السطور عن حل جاهز أو وصفة سحريه
الحل بيدك ، وليس في الشئ الذي تمسكه في يدك.
هل تريد الفرار فعلاً من خاطفك أم أنك مصاب بعقدة ستوكهولم ؟؟




