مقالات

دراسة بلا مواد… حين يتعلّم الأبناء ما لا ندرّسه لهم

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

هناك دراسة لا توجد في جداول الحصص، ولا تحتاج إلى كتاب أو سبورة أو اختبار نهائي… ومع ذلك يتقنها الأبناء بدرجاتٍ مذهلة.

إنها دراسة البيت.

فالطفل لا يتعلّم فقط مما نقوله له، بل يتعلّم أكثر مما نقوله أمامه. يسمع أحكامنا على الناس، يلتقط نبرة أصواتنا حين نذكر قريبًا، يحفظ سخريتنا من فلان، ويقرأ ملامحنا عندما يُذكر اسم شخص لا نحبه. ثم يكبر قليلًا، فنفاجأ بأنه يحمل الموقف نفسه، ويستخدم الكلمات نفسها، وربما يكره أشخاصًا لم يمنحهم يومًا فرصة ليعرفهم بنفسه.

وهنا تبدأ أخطر المناهج… مناهج بلا كتب، ومعلموها نحن.

قد تقول الأم عن قريبة لها كلمة عابرة وهي تظن أن طفلها منشغل بلعبه، وقد يسخر الأب من أحد أفراد العائلة وهو يعتقد أن ابنه لا يفهم، وقد تتحول جلسات المنزل إلى محكمة يومية للناس: هذا بخيل، وهذه مغرورة، وذاك لا يؤتمن، وهؤلاء لا نحبهم…

تمر الكلمات عند الكبار كحديث عابر، لكنها قد تستقر في وعي الصغار كحقائق نهائية.

فالطفل في سنواته الأولى لا يمتلك دائمًا القدرة على التفريق بين رأي والديه والحقيقة. وحين يسمع شخصًا يُنتقص منه مرارًا، فإنه لا يحتاج إلى تجربة خاصة معه؛ لقد صُنعت صورته مسبقًا داخل ذهنه.

ولهذا قد تدخل يومًا بيت أحد أقاربك، فتفهم أشياء كثيرة دون أن يسردها لك أحد.

طفل يتجاهلك بلا سبب.

مراهق يخاطبك بجفاء لا يشبه ما اعتدت عليه.

نظرة تحمل استنقاصًا أكبر من عمر صاحبها.

تعليق ساخر لا يبدو أنه وُلد في عقل طفل.

عندها تدرك أن بعض المواقف تورَّث قبل أن تُفهم.

لكن المسألة أعمق من مجرد علاقة الأقارب بعضهم ببعض؛ لأننا حين نلقّن أبناءنا كراهية الآخرين، لا نؤذي الآخرين فقط، بل نؤذي أبناءنا أنفسهم.

نحن نعلّمهم أن يحكموا قبل أن يعرفوا، وأن يتخذوا موقفًا قبل أن يسمعوا الطرف الآخر، وأن يختصروا الإنسان في حكاية قيلت عنه.

ثم نتساءل بعد سنوات: لماذا أصبح سريع الحكم على الناس؟ لماذا لا يحسن الاختلاف؟ لماذا يحمل الضغينة طويلًا؟ ولماذا يرى الحياة من زاوية واحدة؟

والجواب أحيانًا مؤلم:

لأنه نجح بامتياز في المنهج الذي درّسناه له دون أن نشعر.

الأطفال لا يحتاجون أن نقول لهم صراحة: «اكرهوا فلانًا».

يكفي أن يروا وجهنا يتغير عندما يدخل.

يكفي أن يسمعوا سخريتنا منه بعد خروجه.

يكفي أن نعيد أخطاءه القديمة كلما ذُكر اسمه.

يكفي أن نجعل الخصومة حديثًا يوميًا حتى تصبح جزءًا من ذاكرة البيت.

وفي المقابل، يستطيع البيت نفسه أن يكون أعظم مدرسة للأخلاق.

حين يسمع الطفل أباه يقول:

«اختلفت معه، لكنه رجل محترم.»

وحين يسمع أمه تقول:

«بيننا مشكلة، لكنها لا تخصكم.»

وحين يتعلم أن خلاف الكبار لا ينتقل إلى الأبناء، وأن القرابة لا تصبح ساحة لتصفية الحسابات، وأن الإنسان قد يختلف مع شخص دون أن يهدر كرامته… هنا نكون قد ربينا فيه شيئًا أكبر من الأدب.

لقد ربينا فيه العدل.

ومن أجمل التربية أن تقول لابنك دون كلمات:

لا تحب الناس لأنني أحببتهم، ولا تكرههم لأنني اختلفت معهم.

اعرفهم بنفسك، واحكم بأخلاقك، واترك لكل إنسان فرصته في أن يقدم لك صورته الحقيقية.

فالأبناء ليسوا جنودًا في معاركنا، ولا شهودًا في خصوماتنا، ولا صناديق نحفظ داخلها ما نحمله من غضب تجاه الآخرين.

هم أرواح جديدة تستحق أن تبدأ حياتها بقلب نظيف، لا بقائمة خصوم موروثة.

وربما لهذا ينبغي أن نسأل أنفسنا قبل كل حديث يدور أمامهم:

ماذا نضع اليوم في آذان أبنائنا؟

هل نصب فيها الحكمة… أم الغيبة؟

هل نزرع فيها الإنصاف… أم التحريض؟

هل نعلمهم احترام الإنسان… أم توريث الخصومات؟

فالأبناء قد ينسون كثيرًا مما نصحناهم به، لكنهم نادرًا ما ينسون الطريقة التي تحدثنا بها عن الآخرين.

والتربية في النهاية ليست ما نطلب من أبنائنا أن يكونوه فقط…

التربية هي ما نكونه نحن أمامهم.

فانتبهوا جيدًا؛

هناك عيون صغيرة تراقب، وآذان تحفظ، وذاكرة تبني شخصيتها من أحاديث نظنها عابرة.

وأخطر ما يمكن أن نورثه لأبنائنا ليس قلة المال ولا ضيق الحياة…

بل قلوبٌ مثقلة بأشخاص لم يعرفوهم، وخصومات لم يعيشوها، وأحكام لم يصنعوها بأنفسهم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬