مقالات

نظام التعليم العام الجديد: من إدارة التعليم إلى حوكمة التعلم؟

بقلم: د. مشاعل الغفيلى

بقلم: د. مشاعل الغفيلى

التعليم يتكلم لغة المستقبل

——————————–

التعليم في السعودية اليوم لا يصنع الشهادات، بل يصنع المستقبل. فكما قال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان: “طموحنا أن نبني وطناً مزدهراً، لا يقوم إلا بعقول تبني وتبتكر.”وهذه العقول تُزرع اليوم في فصول نظام التعليم العام الجديد .

جاء نظام التعليم العام الجديد محمّلًا بتحول يتجاوز مجرد تحديث اللوائح إذ يسعى إلى ترسيخ ثقافة التنظيم، وإعادة هيكلة عدد من الممارسات الإدارية، وإحلال منهجية مؤسسية تحكمها أنظمة واضحة، وتقوم على أدوار محددة، وتخضع للمساءلة والقياس , وفي هذا الإطار، يعيد النظام رسم جانب مهم من العلاقة بين الدولة والمنظومة التعليمية والمعلم والطالب والأسرة والقطاع الخاص.

ومن أبرز ملامحه إنشاء مجلس شؤون التعليم العام، وتوسيع المسارات التعليمية والمهنية، وتنظيم التعليم الإلكتروني ، وترسيخ حقوق واحتياجات أكثر وضوحًا للطلاب والمعلمين، وتعزيز منظومة الجودة والاعتماد والشراكات.

وفي الوقت نفسه، حافظ النظام على ثوابت الهوية التعليمية فأكد على العقيدة الإسلامية، واللغة العربية، والهوية الوطنية، والانتماء للوطن، ثوابت لا تقبل المساومة، وفي الوقت ذاته اكد على أهمية الابتكار، والبحث العلمي، ومراعاة الفروق الفردية، والتعلم التفاعلي، وتوظيف التقنيات الحديثة والتفكير الناقد، والتعلم مدى الحياة، والمهارات العالمية. وهذه ليست مساومة بين الأصالة والمعاصرة، بقدر ما هي محاولة لبناء علاقة تكامل بينهما تحفظ الثوابت، وتفتح في الوقت ذاته المجال أمام تعليم أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات المعرفية والتقنية.

غير أن قوة هذا البناء من زاوية البناء التنظيمي وحده ليس كافيا لان نتائج التعليم لا تتحسن إلا عندما نحصل على نتيجة هذه التحولات إلى المستوى الذي يحدث فيه التعلم فعليًا في المدرسة والفصل حيث يكون تجربة الطالب ونواتج تعلمه وليس لأن الهيكل أصبح أكثر تنظيمًا او لان المنظومة التعليمية أصبحت أكثر خضوعًا للاعتماد.

بنظرة عامة، هيّأ النظام بيئة تشريعية مواتية لتحول تعليمي حقيقي، غير أن التشريع، مهما بلغت حداثته، يحدد اتجاه التحول الذي يتجلى في الممارسة الصفية وفي تجربة الطالب اليومية داخل المدرسة. ومن ثم، فإن نجاح النظام يظل مرهونًا بقدرته على الترجمة إلى مناهج أكثر مرونة، وأساليب تقويم أكثر فاعلية، وبرامج تطوير مهني ذات أثر، وصلاحيات مدرسية واضحة، وممارسات تدريسية تعكس فعليًا ما نص عليه النظام. وإلا فقد يتغير الإطار التشريعي، بينما تبقى تجربة الطالب داخل الفصل قريبة مما كانت عليه في السابق .

التعليم : من الإلزام إلى الحماية والدعم

——————————-

يقرر النظام أن التعليم العام حق للجميع، وأن سن التعليم الإلزامي يبدأ من السادسة حتى الخامسة عشرة، مع اتخاذ الإجراءات النظامية تجاه من يتسبب في حرمان الطفل من التعليم أو انقطاعه خلال سنوات الإلزام.

ويمثل ذلك تقدمًا مهمًا في تحويل الحق في التعليم من مبدأ عام إلى التزام أكثر وضوحًا. غير أن فعالية هذه المادة لن تقاس بعدد الإجراءات النظامية المتخذة بقدر ما ستقاس بقدرة النظام على التمييز بين الإهمال المتعمد وبين العوائق الاجتماعية أو الصحية أو الجغرافية التي قد تمنع الطالب من مواصلة تعليمه.

فالطالب الذي ينقطع بسبب صعوبة النقل أو ظروف أسرية أو صحية لا يحتاج إلى استجابة عقابية فقط، بل إلى تدخل مبكر ودعم يعيده إلى مسار التعليم. ولذلك فإن التطبيق الأمثل للمادة يقتضي ربط المساءلة بمنظومة للإنذار المبكر، والتدخل الاجتماعي والتعليمي، ومتابعة حالات الغياب والانقطاع. وبذلك يصبح الهدف من الإلزام ضمان استمرار الطفل في التعلم، لا مجرد مساءلة من تسبب في انقطاعه.

اللغة : بين تعزيز العربية وبناء الكفاءة العالمية

——————————-

ربيبة القرآن , اغرس بذور الضاد في العقول والوجدان .

إذا كانت المادة الرابعة قد تناولت مسؤولية المنظومة في ضمان استمرار الطالب في التعليم، فإن المادة الخامسة تنتقل إلى أحد المكونات الأساسية لهوية هذا التعليم، إذ تقرر أن اللغة العربية هي اللغة الأساس للتعليم العام، مع جواز التعليم بلغة إضافية وفق ضوابط يقرها المجلس. وهذا التوجه لا يضع العربية واللغات الأجنبية في علاقة تنافسية، بقدر ما يفتح المجال أمام سياسة لغوية متوازنة تجمع بين ترسيخ مكانة اللغة العربية ورفع كفاءة الطلاب والمتدربين في اللغات العالمية، وفي مقدمتها الإنجليزية.

ومن هذا المنطلق، يبرز تساؤل حول بعض البرامج التدريبية التي تعتمد على خبرات دولية , هل ينبغي أن يكون عدم قدرة المدرب على التواصل بالعربية وسيلة غير مباشرة لفرض استخدام الإنجليزية على المتدربين، خصوصًا عندما يكون الهدف الرئيس من البرنامج مهنيًا أو تخصصيًا وليس تعليم اللغة ذاتها؟ اليس من الأجدى أن تقوم هذه البرامج على نموذج أكثر توازنًا من خلال استقطاب خبراء دوليين يجمعون بين الكفاءة التخصصية واجادة اللغة العربية .

الحوكمة : اتساع دائرة القرار من الامتثال الى الاستدامة

——————————-

الحوكمة تعزز توزيع الصلاحيات وتحديد المسؤولية والمحاسبة، ومعرفة حدود اتخاذ القرارات على كل صعيد ولكل دور، فهي العلاج لمن يتخطى الصلاحيات، وكذلك لمن لا يستخدم صلاحياته ولا تقتصر على مجموعة من الأنظمة والإجراءات التي تُفرض من أعلى الهرم التنظيمي إلى قاعدته، بل هي ثقافة مؤسسية تتجسد في وضوح الأدوار، وتوزيع المسؤوليات، والمساءلة، وشفافية القرار، واستدامة الأداء. وتزداد فاعليتها حين تتبناها القيادة بوصفها ممارسة يومية لا مجرد متطلب تنظيمي؛ فحين تنعكس مبادئ الحوكمة في القرارات والسلوك المؤسسي، تنتقل من مستوى الامتثال إلى مستوى أكثر نضجًا، تصبح فيه أداة لتحسين الكفاءة وتعزيز الثقة واستدامة الأداء.

وفي هذا السياق، يمثل إنشاء مجلس شؤون التعليم العام أحد أبرز ملامح التحول في النظام الجديد , فالمجلس الذي أنشأه النظام ليس مجرد جهة تنسيقية، بل منصة وطنية تجمع وزارات وهيئات تمثل الاقتصاد، والثقافة، والصحة، والرياضة، والاستثمار، والموارد البشرية، والتقويم، في اعتراف واضح بأن التعليم لم يعد مسؤولية وزارة واحدة، بل أصبح مسؤولية دولة بأكملها تعزز القرار التعليمي نتاجًا للتكامل بين مختلف القطاعات، وتربط المدرسة بالاقتصاد، والجامعة بسوق العمل، والتعليم بالتنمية الوطنية.

غير أن اتساع دائرة المشاركة في قمة النظام لا يعني بالضرورة أن القرار أصبح أقرب إلى المدرسة. فهناك فرق بين توسيع دائرة صنع القرار بين الجهات الحكومية وبين تفويض الصلاحيات إلى المستويات الأقرب إلى التنفيذ. ومن هنا سيكون أحد أهم اختبارات الحوكمة في النظام الجديد هو مقدار ما سينتقل فعليًا من الصلاحيات إلى إدارات التعليم والمدارس والقيادات التعليمية، ضمن إطار واضح للمساءلة وبناء القدرات. فالمدرسة التي تُحاسب على النتائج ينبغي أن تمتلك في المقابل مساحة مناسبة من الصلاحيات التي تمكنها من تحسين تلك النتائج. ومن ثم فإن نجاح الحوكمة لن يُقاس فقط بعدد الجهات المشاركة في صناعة القرار، بل بمدى وضوح المسؤوليات، وسرعة الاستجابة، وقرب القرار من موقع التنفيذ، وقدرة النظام على تحويل الحوكمة من امتثال تنظيمي إلى ممارسة مؤسسية مستدامة تدعم جودة التعلم.

المرونة والمسارات : الفرصة الحقيقية هي عدالة الوصول

——————————-

نحو تعليم يصنع الحياة , رؤية 2030 وضعت الإنسان أولاً، وجعلت التعليم أساس كل تحول. يمثل توسيع المسارات المهنية والمتخصصة والتعليم الافتراضي ومشاركة القطاع الخاص أحد أبرز أوجه المرونة في النظام الجديد. وهذه المرونة يمكن أن تساعد النظام على الاستجابة لاختلاف قدرات الطلاب وميولهم واحتياجات سوق العمل.

لكن المرونة لا تكون قيمة في ذاتها ما لم تكن مصحوبة بالعدالة. فإذا توافرت المسارات المتخصصة والبرامج النوعية في بعض المدن أو المدارس دون غيرها، أو ارتبط الوصول إليها بدرجة كبيرة بالقدرة الاقتصادية للأسرة، فقد تتحول زيادة الخيارات إلى عامل يوسع الفجوة بين الطلاب.

ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس كم عدد المسارات التي يوفرها النظام؟ بل هل يستطيع الطلاب الوصول إليها بعدالة؟ وهل يمكنهم الانتقال بينها بمرونة دون أن يتحول اختيار مبكر إلى مسار يصعب تغييره لاحقًا؟ فقيمة التنوع لا تكمن في كثرة البدائل وحدها، بل في عدالة الوصول إليها ومرونة الانتقال بينها.

الجودة و أثر التعلم
———————–
منح النظام الجودة اهمية من خلال الاختبارات الوطنية والدولية والاعتماد المدرسي، وهي خطوة مهمة لتعزيز المساءلة وتحسين مستوى المنظومة التعليمية , لكن هناك فرقًا بين جودة النظام الإداري وجودة التعلم. فالمدرسة قد تستوفي المتطلبات التنظيمية وتحصل على الاعتماد، لكنها لا تحقق بالضرورة تقدمًا كافيًا في تعلم طلابها. ولذلك ينبغي ألا يتحول الاعتماد إلى غاية قائمة بذاتها، ولا أن تصبح جودة المدرسة مرادفة لجودة ملفاتها وإجراءاتها ووثائقها.
والأهم هو الانتقال من السؤال هل التزمت المدرسة بالمعيار؟ إلى السؤال ماذا تغير لدى الطالب نتيجة هذا الالتزام؟
ومن ثم فإن فلسفة الجودة ينبغي أن تربط الامتثال بالتحسن الفعلي في المعرفة والمهارات والممارسة الصفية، وبالقدرة على تقليص الفجوات بين الطلاب والمدارس. فالجودة الحقيقية تظهر في قدرة الطالب على الفهم والتفكير والتطبيق، لا في وثيقة الاعتماد وحدها.

المعلم الركيزة التي يتحول عندها النظام إلى ممارسة

——————————-

وفي قلب هذا النظام يقف المعلم , لأنه الركيزة الاساس التي تتحول عندها السياسة التعليمية من نص تنظيمي إلى تجربة يومية يعيشها الطالب. يعزز النظام مكانة المعلم، ويوفر له فرص التطوير المهني، والمشاركة في تطوير التعليم، والابتكار، والحوافز. لكن نجاح هذا يتوقف على ما يحدث بعدها , فالتطوير المهني لا ينبغي أن يقاس بعدد الساعات التدريبية التي حصل عليها المعلم، وإنما بما أحدثه من تغيير في طريقة تدريسه وقدرته على التعامل مع الفروق الفردية، وبناء التفكير النقدي، وتحسين تعلم الطلاب. كما أن منح المعلم مساحة مهنية مناسبة لاتخاذ القرارات التدريسية يمثل شرطًا مهمًا لتحويل أهداف النظام إلى واقع. وفي المقابل، فإن المرونة التي يتيحها النظام في تكليف بعض المعلمين بتدريس مقررات خارج تخصصهم ينبغي أن تظل استثناءً منضبطًا بالتأهيل والكفاءة؛ حتى لا تتحول معالجة نقص الكوادر إلى تكلفة خفية على جودة التعلم , فالمرونة الإدارية قد تحل مشكلة في توزيع الحصص، لكنها لا ينبغي أن تخلق مشكلة في جودة التدريس.

من التشريع إلى التنفيذ : ما الذي يحتاجه النظام؟

——————————————————–

من المهم في النظام الجديد ان يكون قادرًا على بناء سلسلة تنفيذ تنقل التحول من اللوائح والسياسات إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى المعلم، ومن المعلم إلى تعلم الطالب. ولتحقيق ذلك، تحتاج المرحلة التنفيذية إلى عدد من الضمانات العملية. في مقدمتها وضوح توزيع الصلاحيات بين المجلس والوزارة وإدارات التعليم والمدارس، ومنح المدارس استقلالية تدريجية تقترن بالمساءلة وبناء القدرات. كما يحتاج النظام إلى إطار وطني لقياس أثره، يبدأ بخط أساس واضح ويركز على نواتج التعلم، والفجوات بين المناطق والمدارس، والحضور والانقطاع، وسلامة الطالب، وجودة التدريس، وعدالة الوصول إلى المسارات والخدمات التعليمية. ومن المهم كذلك أن يرتبط الاعتماد المدرسي بخطط تحسين قابلة للقياس، وأن يراعى في توزيع الموارد تفاوت احتياجات المدارس، بحيث تكون العدالة والفرص جزءًا من تصميم النظام لا نتيجة لاحقة له. وينطبق الأمر نفسه على التوسع في التعليم الخاص والمسارات المهنية إذ ينبغي أن تحكمه مبادئ الجودة والشفافية والعدالة، مع توفير جسور مرنة تتيح للطالب الانتقال بين المسارات , وعلى مستوى المعلم، ينبغي أن يقاس التطوير المهني بما يحدثه من أثر في الممارسة الصفية ونواتج التعلم، وأن يظل التدريس خارج التخصص استثناءً مشروطًا كما ذكر بالتأهيل والكفاءة. كما تحتاج البيئة التعليمية الجديدة إلى إطار واضح لحوكمة الذكاء الاصطناعي والبيانات التعليمية، يضمن الخصوصية والنزاهة والأمن السيبراني، إلى جانب إشراك الطالب والأسرة والمعلم في تقويم التنفيذ والاستفادة من آرائهم في تطوير السياسات والممارسات.

كما سيكون من المهم نشر تقرير دوري عن أداء نظام التعليم العام يوضح ما تحقق من تقدم، وما استمر من فجوات وتحديات لأن الإصلاح التعليمي لا يكتمل بإقرار النظام، وإنما بوجود قدرة مؤسسية تستطيع أن تثبت، عامًا بعد عام، أن ما تغير في التشريع قد انعكس بالفعل على تعلم الطالب.

اللهم انفع به البلاد والعباد

——————————-

إذا تحولت الحوكمة إلى تمكين واضح في الصلاحيات ومساءلة قائمة على النتائج , والمسارات إلى فرص عادلة ومرنة، والاعتماد إلى تحسين، والتقويم إلى تدخل، والتطوير المهني إلى ممارسة أفضل، والحقوق إلى آليات فاعلة للحماية والدعم، والشراكات إلى قيمة مضافة عادلة، فإن النظام الجديد سيكون أساسًا لتحول نوعي في التعليم قادر على تحسين نواتج التعلم، وتقليص الفجوات التعليمية، وتعزيز كفاءة المنظومة واستجابتها لمتطلبات المستقبل.

أما إذا بقيت المدرسة متلقية للقرار، وتحولت الجودة إلى امتثال إجرائي، وظلت المبادئ الحديثة حاضرة في النصوص أكثر من حضورها في الصفوف، فإن التغيير التنظيمي، مهما كان متقدمًا، لن يكون كافيًا لإحداث التحول التعليمي المنشود , فالتحدي الحقيقي ليس في اتساع ما ينظمه النظام، بل في قدرة المنظومة على إيصال أثره إلى آخر نقطة في السلسلة التعليمية وهي العلاقة بين معلم وطالب داخل فصل دراسي. وهنا تحديدًا سنعرف ما إذا كنا قد انتقلنا بالفعل من إدارة التعليم إلى حوكمة التعلم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬