مقالات

الرياضيات الإنسانية… معادلات تكتبها الحياة

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

نحن لا نعيش بالأرقام وحدها، ومع ذلك تمضي حياتنا كأنها مسألة رياضية طويلة؛ نجمع فيها الأشخاص والمواقف، ونطرح منها الأحبة والأحلام، ونضرب لحظات الفرح بالامتنان، ونقسم أعمارنا بين الواجبات والرغبات. غير أن الرياضيات الإنسانية لا تُحل بالقلم والورق، بل بالقلب والعقل وما تمنحنا إياه التجارب من دروس.

في الرياضيات المعتادة، واحد زائد واحد يساوي اثنين، أما في الرياضيات الإنسانية فقد يلتقي قلبان فيصنعان وطنًا، وقد تجتمع أسرة صغيرة فتختصر العالم كله. وفي المقابل، قد يحيط بالإنسان عشرات الأشخاص، ومع ذلك يعيش وحدة لا يستطيع أي رقم قياسها؛ فالكثرة لا تساوي الأُنس، والقرب لا يساوي دائمًا الحضور.

نتعلم الجمع منذ طفولتنا، لكن الحياة تخبرنا أن جمع الأشخاص حولنا ليس إنجازًا ما لم نجمع معهم الطمأنينة والصدق. فما قيمة قائمة طويلة من المعارف، إذا لم نجد بينها قلبًا واحدًا نلجأ إليه عندما تضيق بنا الأيام؟ إن أجمل ما نجمعه في الحياة ليس المال ولا الممتلكات، بل القلوب الصادقة، والدعوات الطيبة، والذكريات التي تضيء أرواحنا كلما أظلمت الطرق.

أما الطرح، فهو أصعب العمليات في الرياضيات الإنسانية؛ لأنه لا يتعلق دائمًا بأشياء نرغب في التخلص منها، بل قد ينتزع من أعمارنا ما نحب. ففي الحياة طرحٌ نختاره، وطرحٌ تختاره الأقدار لنا. قد نطرح راحتنا من أجل من نحب، ونطرح وقتنا وأحلامنا في سبيل أسرة أو مسؤولية؛ وتلك هي التضحية، حين ننقص من نصيبنا بإرادتنا ليكتمل نصيب الآخرين.

لكن أقسى أنواع الطرح هو فقدان عزيز؛ أن تستيقظ فتجد أن شخصًا كان يملأ تفاصيل يومك قد غاب، وأن مكانه أصبح فراغًا لا تعوّضه كل عمليات الجمع. في الرياضيات يمكن استعادة العدد المطروح بإضافته من جديد، أما في الحياة فبعض الغائبين لا يعودون، وتبقى ذكرياتهم وحدها تجمع ما بعثره رحيلهم فينا. إنهم يُطرحون من أعيننا، لكنهم لا يُطرحون من قلوبنا، ويغيبون عن مجالسنا، لكن أسماءهم تظل حاضرة في الدعاء.

وهناك طرح آخر نمارسه حين نغادر علاقة تؤذينا، أو نتخلى عن حلم لم يعد يشبهنا، أو نبتعد عن مكان يستنزف أرواحنا. يؤلمنا ذلك في البداية، ثم نكتشف أن بعض النقص اكتمال، وأن بعض الخسارات نجاة، وأن طرح ما يؤذينا هو الطريقة الوحيدة لإضافة السلام إلى حياتنا.

أما الضرب، فيظهر في أثر الأشخاص والمواقف؛ فهناك من يضرب فرحنا في أضعافه بكلمة طيبة، ومن يضاعف ثقتنا بأنفسنا بموقف صادق. وهناك من يضاعف أحزاننا بقسوته وتجاهله. لذلك لا تُقاس قيمة الناس بعدد السنوات التي عاشوها معنا، بل بحجم الأثر الذي تركوه فينا.

والقسمة هي الاختبار الحقيقي للعدل والمحبة؛ أن نقسم وقتنا بين العمل والأسرة والنفس، وأن نعطي كل ذي حق حقه. وأجمل القسمة ما لا يُنقص شيئًا؛ فعندما نتقاسم المعرفة تزداد، وحين نتقاسم الفرح يتضاعف، وعندما نتشارك الحزن يصبح حمله أخف.

وللحياة كسورها الاعتيادية؛ أجزاء صغيرة يتكون منها الإنسان: نصفه أمل ونصفه انتظار، جزء منه قوة وآخر ضعف، وشيء من ماضيه يسكن حاضره مهما حاول تجاوزه. لا أحد منا يعيش كاملًا طوال الوقت؛ فنحن كسور إنسانية تجمعها المحبة، وتجبرها المواقف الصادقة.

وقد يمنح الإنسان نصف عمره لأبنائه، وثلث راحته لواجباته، وربع أحلامه للظروف، ثم يحتفظ بجزء صغير لنفسه. وبعض الأمهات خصوصًا يعشن وكأن نصيبهن من الحياة كسر صغير؛ يوزعن بقية أجزائهن على أبنائهن، ويخفين التعب خلف ابتسامة، حتى يظن الجميع أن العطاء لا ينقصهن.

لكن الخطأ أن نعيش دائمًا كبسط صغير تحت مقام كبير من الالتزامات؛ نعطي الجميع وننسى أنفسنا، ونرضي الآخرين على حساب أرواحنا. فالنفس لها حق، والراحة ليست أنانية، ومن يوزع نفسه كاملة على الجميع قد لا يجد منه شيئًا عندما يحتاج إلى ذاته.

وكما لا تُجمع الكسور في الرياضيات قبل توحيد مقاماتها، لا تنجح العلاقات ما لم تتقارب مقامات أصحابها: مقام الصدق، والاحترام، والرحمة والوفاء. قد تجمع الحياة بين شخصين، لكن اختلاف المبادئ يجعل التفاهم بينهما عسيرًا؛ لأن أحدهما يقيس العلاقة بالمحبة، والآخر يقيسها بالمصلحة.

وللحياة جذور لا تظهر على السطح، لكنها أساس كل ما نراه. فالإنسان ليس موقفًا عابرًا، بل هو امتداد لتربية وذكريات وتجارب وأوجاع قديمة. بعض تصرفاته لها جذور في طفولته، وبعض مخاوفه نبتت من خذلان سابق، وبعض صمته يعود إلى كلمات قاسية سمعها ولم يستطع نسيانها. لذلك لا تتعجل الحكم على فروع الإنسان قبل أن تعرف شيئًا عن جذوره.

الجذور الحقيقية هي الأسرة والقيم والإيمان والانتماء؛ وكلما كانت راسخة استطاع الإنسان أن يقف أمام عواصف الحياة. الشجرة لا تفاخر بجذورها لأنها مخفية تحت الأرض، لكنها تستمد منها قوتها، وكذلك أصحاب المبادئ؛ قد لا يتحدثون كثيرًا عن أصالتهم، لكن مواقفهم تكشف عمق جذورهم.

وهناك أيضًا جذور نحتاج إلى اقتلاعها؛ جذور الخوف، وسوء الظن، والشعور بالنقص، والذكريات التي تمد ألمها في كل يوم جديد. فليس كل جذر يستحق البقاء، وبعض التعافي يبدأ عندما نصل إلى أصل الوجع، لا عندما نكتفي بإخفاء أعراضه.

وللحياة جبرها الخاص؛ فالجبر ليس أن تعيد الأشياء كما كانت، بل أن تقترب من قلب كسرته الأيام، فتمنحه من لطفك ما يعينه على الوقوف من جديد. جبر الخواطر معادلة ربانية عجيبة؛ تجبر إنسانًا بكلمة، فيجبر الله قلبك في وقت لا يعلم بحاجتك فيه سواه.

وفي الرياضيات الإنسانية علامتا أكبر من وأصغر من، لكنهما لا تقيسان قيمة البشر؛ فلا الغني أكبر من الفقير، ولا صاحب المنصب أكبر من البسيط. الإنسان يكبر بأخلاقه ويصغر بتكبره؛ وقد يكون منصبه كبيرًا لكنه صغير في مواقفه، بينما يكون إنسان بسيط محدود الإمكانات كبيرًا في عطائه وكرامته.

هناك أشياء ينبغي أن تبقى أكبر من غيرها: الرحمة أكبر من القسوة، والوفاء أكبر من المصلحة، والاعتذار أكبر من المكابرة، وحفظ الود أكبر من الانتصار في الخصومات. وينبغي أن يكون الخلاف أصغر من أن يتحول إلى عداوة، والغضب أصغر من أن يهدم بيتًا، وسوء الظن أصغر من أن يمحو تاريخًا من المحبة.

أما علامة يساوي، فهي الأكثر التباسًا؛ فليس كل صمت يساوي جفاء، ولا كل ابتعاد يساوي كراهية، ولا كل ابتسامة تساوي سعادة، ولا كل اعتذار يساوي ضعفًا. بعض الناس يصمتون لأن الكلام أتعبهم، ويبتعدون لأن القرب أوجعهم، ويبتسمون كيلا يحمّلوا الآخرين أثقالهم؛ فلا تضع نتيجة نهائية لمعادلة لم تعرف جميع تفاصيلها.

وفي ميزان الكرامة، لا يساوي الحب الإهانة، ولا يساوي التسامح قبول الأذى، ولا تساوي الطيبة أن يظل الإنسان بابًا مفتوحًا لمن يأتي متى شاء ويرحل متى أراد. العلاقات الصحيحة يتقارب فيها الأخذ والعطاء، والسؤال والاهتمام، والحضور والوفاء؛ لأن معادلة يمنح فيها طرف كل شيء، بينما لا يمنح الآخر شيئًا، ستبقى معادلة ناقصة.

وللبشر مقامات، لكنها لا ترتفع بالأسماء والألقاب، بل بالمواقف. مقام الإنسان في القلب يصنعه صدقه، ويحفظه وفاؤه، ويرفعه أدبه. وقد نضع أشخاصًا في مقامات عالية، ثم تكشف الأيام أن أفعالهم أصغر من تلك المكانة؛ فليس كل من رفعناه يستحق الارتفاع، وليس كل من غاب عنا سقط مقامه.

أما الصفر، ذلك الرقم الذي يبدو بلا قيمة منفردًا، فإنه يضاعف قيمة العدد عندما يوضع في موضعه الصحيح. وهكذا الإنسان؛ قد يظن أنه بلا قيمة لأن أحدًا لم يقدّر وجوده، بينما المشكلة لم تكن فيه، بل في المكان الذي وُضع فيه. فليس كل من تجاهلك يعني أنك قليل؛ ربما كنت قيمة كبيرة في معادلة لم تعرف كيف تقرأك.

وفي نهاية العمر لن تكون المسألة الأهم: كم جمعنا من المال؟ بل: كم خاطرًا جبرنا؟ وكم ألمًا طرحنا؟ وكم محبة ضاعفنا؟ وكم فرحًا تقاسمنا؟ وهل بقينا أوفياء لجذورنا؟ وهل حفظنا مقامات من أحبونا بصدق؟

هذه هي الرياضيات الإنسانية؛ علم لا تُكتب قوانينه على السبورة، بل تكتبها المواقف في القلوب. قد نخطئ في حساب بعض الأشخاص، ونبالغ في تقديرهم، ونرفع مقامات لا تليق بهم، لكن الحياة تعيد ترتيب معادلاتنا حتى نتعلم أن أجمل نتيجة يصل إليها الإنسان هي أن يضيف خيرًا، ويطرح أذى، ويضاعف محبة، ويقسم فرحًا، ويجبر خاطرًا، ويثبت على جذوره؛ ثم يترك وراءه أثرًا أكبر من الغياب، وأجمل من أن تمحوه الأيام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬