اطلق الفرح

بقلم الكاتبه :عبير بن صديق
ليست كل معارك الإنسان مع الألم؛ فثمة معارك أكثر خفاءً يخوضها مع الفرح نفسه.
لطالما ينتظر المرء لحظةً بعينها سنوات طويلة، يتخيل ملامحها ، وينسج فيها أحلامه، حتى إذا جاءت كما تمنى، لم يفتح لها ذراعيه بقلبٍ مطمئن، بل ألقى عليها عباءة الحذرٍ دون وعي. يخشى السماح لنفسه بالفرح كاملًا؛ وكأن السعادة كلما عظمت، عظُم معها الخوف من فقدها.
ولعل أكثر ما يرهق الإنسان ليس ندرة الفرح، بل عجزه عن الاستسلام له. فالعقل الذي أدمن توقع الخسائر سيبقى يقظًا في أكثر اللحظات إشراقًا، ينشغل باحتمال النقصٍ ، و يستقبل النهاية بتوجس قبل أن تأتي . وهكذا تتحول اللحظة الجميلة من نعمةٍ تُعاش إلى احتمالٍ يُراقَب.
والفرح بطبيعته بسيط، لا يحب التعقيد، ولا يحتاج إلى أن نختبره بالشكوك. إنه تلك النافذةً التي نفتحها على شروق الشمس ؛ فتضيئ المكان وتنفد حيث تجد الطريق ، و تترك دفئها وإن غابت .
وحده الإنسان هو من يثقل تلك اللحظات بأسئلةٍ لا تزيدها إلا هشاشة.
والفرح لا يعرف طبقةً اجتماعية، ولا يلتفت إلى منصبٍ أو شهادة، ولا يفرق بين غني وفقير. إنها يمر بالجميع، لكن استقباله يختلف من روحٍ إلى أخرى. فمن الناس من يراه هديةً تستحق الامتنان، ومنهم من يتعامل معه وكأنه دينٌ سيأتي يومٌ لا بد أن يسدده بالألم.
وحين يعتاد الإنسان هذا الشعور، يصبح الخوف عادةً لا موقفًا عابرًا. فيفقد القدرة على الاستمتاع بما بين يديه، لأنه مشغول بما قد يفقده غدًا. والأسوأ من خسارة الفرح أن يعيش المرء وكأنه خسره قبل أن يكتمل.
بعض تجاربنا القديمة والجروح التي لم ندركها تركت ندبا يحول بين القلب وفرحته وبين السعادة والاستمتاع بها ، نبررها بالتماسك والقوة إذا ما غابت تلك الفرحة والسعادة . غير أن القلب، وهو يحاول أن يحتمي من الألم، قد يحرم نفسه أيضًا من متعة الحياة.
وربما تكون الحكمة الحقيقية أن ندرك أن الفرح، مثل العمر، لا يقاس بطوله، بل بصدق حضوره. فما يمر بنا من لحظات مضيئة، مهما قصرت، يترك في الروح أثرًا قد يفوق أثر سنواتٍ كاملة من الأيام العادية.
لذلك، لا تؤجل ابتهاجك، ولا تفسد حاضرًا جميلًا بخوفٍ من مستقبلٍ لم يأتِ بعد. ما هو حاضر حق أن نعيشه ونستمتع بها
(إنَّ اللَّهَ يحبُّ أن يرى أثرَ نعمتِهِ على عبدِهِ) اخرجه الترمذي … والفرح من أعظم النعم .
إذا كان الفرح ليس وعدًا بأن الحياة ستخلو من الأحزان، فإن الحزن ليس دليلًا على غياب الخير. كلاهما جزء من الرحلة {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ْ} (٧) سورة إبراهيم.
إن الحكمة تقتضي أن نمنح كل لحظة حقها؛ ونصبر حين يحين الصبر، ونفرح حين يحين الفرح، دون أن يسرق أحدهما جمال الآخر.




