الثقافة المؤسسية بين الضوضاء البيضاء وجبل الجليد

بقلم : د / مشاعل الغفيلي
اضاءة استراتيجية (ادغار شاين)
“لا تحكم على ثقافة المنظمة من مظهرها، بل من الافتراضات العميقة التي تحرك سلوك الناس داخلها.”
في عالم علم النفس التنظيمي، يقف إدغار شاين الأب الروحي للثقافة التنظيمية، برؤية عميقة في الثقافة التنظيمية , مما مهد الطريق لفهم أعمق لكيفية تشكيل المعتقدات والقيم والافتراضات للسلوك داخل المنظمات حيث يؤكد إدغار شاين أن الثقافة ليست ما تعلنه المنظمة عن نفسها، بل ما يعتقده أفرادها في العمق، وما يتكرر في سلوكهم اليومي حتى يصبح الطريقة الطبيعية للعمل.
الثقافة التنظيمية / المؤسسية تمثل أحد المفاتيح الرئيسية للتميز التنظيمي وتعتبر الغراء الذي يحافظ على تماسك المنظمة. إنها مدونة قواعد السلوك الصامتة التي تتعلق أكثر بكيفية إنجاز الأمور، وليس بما يتم إنجازه. يمكن أيضًا الإشارة إليها باسم الضوضاء البيضاء، وهي الضوضاء الخلفية الثابتة التي قد تؤثر عليك ولكنها تمر دون أن يلاحظها أحد لذا عندما يتعلم الموظف الجديد الأساسيات، فإنه يتعلم الثقافة التي تكون موجودة حول الموظفين طوال الوقت، تؤثر فيهم وتوجه سلوكهم، لكنهم لا ينتبهون لها بشكل مباشر لأنها أصبحت جزءًا طبيعيًا من بيئة العمل ليست فقط “معاني مشتركة”، بل هي عملية حية تتكون عبر التجربة، ثم تُعلَّم للأعضاء الجدد، ثم تتحول إلى طريقة تفكير وتصرف داخل المنظمة، هي الدروس التي تعلمتها المنظمة من تجاربها الناجحة، ثم حولتها إلى قواعد غير مكتوبة تُعلَّم للموظفين الجدد.
سيرة ومسيرة مهنية
القادة الحقيقيون لا يبدأون بالسؤال: «إلى أين نريد أن نذهب وماهي الوجهه المستقبلية ؟ »، بل يبدؤون بالسؤال الأهم: «من هم الأشخاص الذين ينبغي أن يرافقونا في مسيرتنا المهنية , القادرون على حمل الرؤية وتحويلها إلى واقع؟»
كثيرًا من المنظمات تبدأ من حيث لا ينبغي أن تبدأ, فتضع اهتمامها في رؤية جذابة , بناء خطط استراتيجية واهدافها، لكنها تغفل عن السؤال المهم الذي يسبق كل ذلك: من هم الأشخاص الذين سينفذون هذه الخطط، ويحملون قيمها، ويحوّلونها من وثائق مكتوبة إلى ممارسات يومية ونجاحات حقيقية متماسكة بثقافة تنظيمية راسخة؟ .
الخطط الاستراتيجية لاتحقق النجاح مهما بلغت دقتها , والرؤية مهما بدت ملهمة لا تتحقق بمجرد إعلانها ، إنما تتحقق من خلال أشخاص يؤمنون بها، وقادة يجسّدونها، وبيئة عمل تمنح الموظفين الثقة والقدرة والدافع لتحويلها إلى ممارسة يومية. ولهذا لا يبدأ نجاح المنظمة من الخطة وحدها، بل من الموظف الإنسان الذي يحمل بداخله القيم الحقيقية كسلوك يومي معاش يمثل ثقافة تنظيمية حقيقية .
كيف نفهم الثقافة المؤسسية؟ «نموذج جبل الجليد»
لا يمكن فهم الثقافة التنظيمية أو المؤسسية من خلال السلوك الظاهر وحده؛ فهي أعمق من ذلك، وتتكوّن عند ادغار شاين من ثلاثة مستويات تنظيمية مترابطة تشكّل ثقافة المنظمة. يتمثل المستوى الأول في المظاهر التنظيمية الظاهرة، وهي كل ما يمكن رؤيته أو ملاحظته داخل بيئة العمل، مثل طريقة إدارة الاجتماعات، وأسلوب المديرين، وطريقة اتخاذ القرارات، والتعامل مع الأخطاء، وأنماط التواصل، واللغة المستخدمة، تقدّم هذه العناصر مؤشرات أولية على الثقافة والنفسية الجماعية للمنظمة، وتشير إلى قيمها وأولوياتها لكل من الداخل والخارج على حد سواء.
وبالانتقال إلى ما هو أبعد من السطح، نواجه القيم المتبناة المعتقدات والأعراف المعلنة التي تنص المنظمات على دعمها. وتعمل هذه المبادئ التوجيهية المنصوص عليها في بيانات المهمة والسياسات المؤسسية والأهداف الاستراتيجية كمنارات للطموح والتوجيه لأعضاء المنظمة.وهي المبادئ التي تقول المنظمة إنها تؤمن بها، مثل الشفافية، والعدالة، والعمل الجماعي، والابتكار، والتمكين، واحترام الموظفين. وقد تعبّر هذه القيم عن ممارسات حقيقية، وقد تمثل أحيانًا الصورة المثالية التي ترغب المنظمة في الظهور بها.
بعد ذلك وتحت القيم التي يتم تبنيها تكمن الافتراضات الأساسية وهي منطقة من الغموض والتعقيد. وهنا تكمن المعتقدات الراسخة والتوقعات اللاواعية التي تشكل السلوك في جوهره. وتؤثر هذه الافتراضات، التي غالبا ما تكون غير معلنة وضمنية، على تحركات المنظمة، وتوجه القرارات والإجراءات بطرق قد تتحدى التفسير العقلاني بحيث يتعامل معها أفراد المنظمة بوصفها أمورًا طبيعية وبديهية، وتتحكم في طريقة تفكيرهم وسلوكهم.
ويعد التفاعل بين هذه المستويات الثلاثة من الثقافة أمرًا محوريًا، حيث يقدم نظرة ثاقبة للثقافة التنظيمية وتحديات المواءمة الثقافية لذا فإن مهمة القادة التنظيميين لا تتمثل فقط في صياغة خطط استراتيجية واهداف أو تبني قيم سامية ، بل أيضًا في التعمق في النفسية الجماعية للمنظمة، وإبراز الافتراضات الأساسية التي تحرك السلوك للموظفين والتوفيق بينها وسد الفجوة بين القيم المعلنة والتجارب العملية أو المثبتة.
ووفق تشبيه جبل الجليد، فإن ما يظهر فوق سطح الماء هو المظاهر والسلوكيات اليومية، بينما تكمن القيم والافتراضات العميقة تحت السطح، وهي التي تفسّر ما يحدث في الظاهر. لذلك لا يمكن الحكم على ثقافة منظمة من موقف واحد أو تصرف منفرد، بل يتطلب فهمها مراقبة الأنماط المتكررة، وإجراء حوارات عميقة، وفهم ما يؤمن به الناس فعلًا، وما يخافون منه، وما يعدّونه مقبولًا أو غير مقبول. وهنا يتضح أن الثقافة لا تُفهم فقط من خلال ما يفعله الناس، بل من خلال المعاني والافتراضات العميقة التي تقف خلف ما يفعلونه ويؤمنون به .
من المسؤول الحقيقي عن صناعة ثقافة المنظمة؟
كثيرًا ما نعتقد أن الثقافة المؤسسية تبدأ من الأعلى؛ من كلمات القادة، والبيانات الرسمية، والعبارات التي تُكتب عن الرؤية والرسالة والقيم والهدف العام للمنظمة. وهذا صحيح جزئيًا، لكنه لا يمثل الحقيقة كاملة. فالإدارة العليا، بوصفها صاحبة القرار، تضع الاتجاه العام، وترسم الصورة الكبرى، وتحدد الإطار الرسمي لثقافة المنظمة من خلال الرؤية، والأهداف، والقيم المعلنة. لكن السؤال الأهم هو: من يحوّل هذه القيم من كلمات مكتوبة إلى تجربة يومية يعيشها الموظف؟
هنا يظهر الدور العميق للإدارة الوسطى والمدير المباشر. فالمدير ليس مجرد ناقل لتوجيهات الإدارة العليا، ولا مجرد حلقة وصل بين القيادة والموظفين، بل يُعد أحد أهم صُنّاع الثقافة داخل المنظمة؛ لأنه الأقرب إلى الموظفين، والأكثر حضورًا في تفاصيل عملهم اليومية، والأقدر على تحويل القيم الكبرى إلى ممارسات وسلوكيات ملموسة. فالطريقة التي يتعامل بها المدير مع الموظفين، ويستجيب بها للأخطاء، ويشجع بها الأفكار، ويدير بها الخلافات، ويوزّع بها الفرص، هي التي تكشف للموظف الثقافة الحقيقية للمنظمة. وقد تعلن المنظمة أنها تؤمن بالتمكين والشفافية والابتكار، لكن هذه القيم لا تصبح جزءًا من ثقافتها الفعلية إلا عندما يلمسها الموظفون في قرارات المديرين وممارساتهم اليومية.
وللإبحار في المياه المضطربة المصاحبة للتغيير والتحول الثقافي، ينبغي للمنظمة أن تتبنى ثقافة قائمة على الحوار والشفافية، وأن تفسح المجال لإجراء حوار صادق وشفاف حول الافتراضات الأساسية، ومراجعة الممارسات السائدة، وتحدي المعايير الراسخة التي قد تعيق التطور. ومن خلال هذا الحوار الواعي، تستطيع المنظمة بناء ثقافة مرنة وقابلة للتكيف، تتوافق مع أهدافها الاستراتيجية، وتساعد أفرادها على التعامل مع التغيير بثقة ووعي.
وعليه، فإن صناعة الثقافة مسؤولية مشتركة؛ فالإدارة العليا تحدد الاتجاه، والمديرون يترجمونه إلى ممارسات يومية، والموظفون يعززون هذه الثقافة أو يضعفونها من خلال سلوكهم المتكرر.
سؤال من الواقع و نظرة إلى المستقبل
من واقع الحياة العملية، هل كان للثقافة المؤسسية أثرٌ واضح في مواجهة الأزمات؟ وهل مررتم بتجارب تغيّرت نتائجها جذريًا بفضل الأشخاص الذين حملوا الخطة، وآمنوا بها، وحوّلوها إلى واقع ؟




