مقالات

البيعة الشرعية لولي الأمر

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري 

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري 

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ؛ وعلى آله وصحبه ، ثمَّ أمَّا بعد :

أيها القارئ الكريم : لقد عني الإسلام بأداء الحقوق لأهلها ؛ ومن أولي الحقوق ولي أمر المسلمين على اختلاف مسمياته ؛ ملكٌ أو أميرٌ أو رئيس جمهوريةٍ أو نحوها من الألقاب ؛ التي تطلق عليه ؛ بسبب توصله للولاية العظمى بالرضا أو بالغلبة ؛ فلولي الأمر في كل بلدٍ مسلمٍ جملةٌ من الحقوق الشرعية التي كفلها له الإسلام ، فيجب على الرعية الوفاء بها له على الوجه الأكمل كما جاءت به الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ؛ لتصلح أحوال الناس ديناً ودنيا بأدائها له في كل بلدٍ مسلم ، ومن أعظم هذه الحقوق : الإقرار ببيعته ورئاسته عليهم في قلوبهم ، والسمع والطاعة له بالمعروف في جوارحهم ، وتصرفاتهم ، وعدم الخروج عليه قولاً وعملاً ؛ وقد جاءت النصوص الشرعية مبينةً هذه الحقوق وغيرها ؛ لتجتمع كلمة المسلمين على إمامهم في بلادهم ، يسمعون له ويطيعون له بالمعروف ، ولتسلم لهم بلادهم من الشقاق والنزاع والاختلاف فيما بينهم ، ولتنجو الأمة المسلمة في بلادهم الإسلامية من آثار مغبة الخروج على ولي أمرهم ، حتى لا يحصل فيه الخوف بعد الأمن ، وتسفك فيه الدماء بعد عصمتها ، ولئلا تنتهب الأموال بعد حفظها ، ولئلا تتعرض الأعراض للانتهاك بعد صيانتها ، ورعايتها ، وحتى لا تتعطل المساجد عن العبادة بعد عمارتها ، ولئلا تضيق على الناس معايشهم ، وأسباب الحياة الكريمة في بلادهم بعد اتساع الأرزاق والنعم فيها ، كيف وقد قال الله تعالى : – وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ – الأنفال : 46 وقال تعالى : – مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ – الروم : 31 – 32 وقال صلى الله عليه وسلم :مَن أتاكُم وأمرُكُم جَميعٌ على رَجُلٍ واحِدٍ ، يُريدُ أن يَشُقَّ عَصاكُم أو يُفَرِّقَ جَماعَتَكُم، فاقتُلوه – رواه مسلم في صحيحه :

قال عبد الله بن المبارك رحمه الله :

إنَّ الجماعة حبل الله فاعتصموا

منه بعروته الوثقى لمن دانا

‏كم يدفع الله بالسلطان معضلةً

‏في ديننا رحمةً منا ودنيانا

‏لولا الخلافة لم تأمن لنا سبلٌ

‏وكان أضعفنا نهبا لأقوانا

أخي القارئ الفاضل : ولما سبق ذكره رغبت النصوص الشرعية على القيام بحقوق ولي الأمر ، ونهت عن مخالفتها ؛ لأنَّ هذا سبيل الخوارج في كل عصرٍ ومصرٍ ، ومنهم الإخوان المسلمون، والسرورية ، والقاعدة ، وداعش ، ومن نحا نحوهم من أهل الغي والشر والفساد ؛ وقد قال جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه في الصحيحين : – بايَعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على شَهادةِ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ ، وإقامِ الصَّلاةِ ، وإيتاءِ الزَّكاةِ ، والسَّمعِ والطَّاعةِ ، والنُّصحِ لكُلِّ مُسلِمٍ – وفي الصحيحين أيضاً من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه : – دَعانا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبايَعناه ، فقال فيما أخَذَ علينا : أن بايَعَنا على السَّمعِ والطَّاعةِ ، في مَنشَطِنا ومَكرَهِنا ، وعُسرِنا ويُسرِنا ، وأثَرةً علينا ، وأن لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه ، إلَّا أن تَرَوا كُفرًا بَواحًا ، عِندَكُم مِنَ اللهِ فيه بُرهانٌ – وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : – من بايع إمامًا ، فأعطاه صفقةَ يدِه ، وثمرةَ قلبِه ، فليُطِعْه ما استطاع ، فإن جاء آخرُ ينازِعُه فاضربوا رقبةَ الآخرِ- وقال النبي صلى الله عليه وسلم : – مَن خلع يدًا من طاعةِ اللهِ ، لَقِيَ اللهَ يومَ القيامةِ لا حُجَّةَ له ، ومَن مات وليس في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ ، مات مِيتةً جاهليةً رواه مسلمٌ في صحيحه .

أخي القارئ الكريم : وإن البيعة لولي أمر المسلمين على الملك ، والرئاسة ، والولاية العامة على البلاد تكون بالاقرار بذلك في القلب ، والسمع والطاعة له بالجوارح ، وان لم يتمكن أفراد الشعب الواحد من مبايعته بأنفسهم باليد والمصافحة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : – فارجِعوا حتَّى يَرفَعَ إلينا عُرَفاؤُكُم أمرَكُم – رواه البخاري في صحيحه ؛ فشيخ الحي أو عريفها تكفي مبايعته لولي الأمر أو نوابه في المناطق أو المحافظات عن أنفسهم ومن تحت أيديهم ، قال الْمَازِرِيّ رحمه الله : ” يَكْفِي فِي بَيْعَةِ الإِمَامِ أَنْ يَقَع مِنْ أَهْل الْحَلِّ وَالْعَقْدِ ، وَلا يَجِب الاسْتِيعَاب , وَلا يَلْزَم كُلّ أَحَدٍ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهُ ، وَيَضَع يَدَهُ فِي يَدِهِ , بَلْ يَكْفِي

اِلْتِزَامُ طَاعَتِهِ ، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِأَنْ لا يُخَالِفَهُ ، وَلا يَشُقَّ الْعَصَا عَلَيْهِ ” انتهى نقلاً من فتح الباري ؛ وقال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم : ” أَمَّا الْبَيْعَة : فَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لا يُشْتَرَط لِصِحَّتِهَا مُبَايَعَة كُلّ النَّاس , وَلا كُلّ أَهْل الْحَلّ وَالْعِقْد , وَإِنَّمَا يُشْتَرَط مُبَايَعَة مَنْ تَيَسَّرَ إِجْمَاعهمْ مِنْ الْعُلَمَاء وَالرُّؤَسَاء وَوُجُوه النَّاس . . . وَلا يَجِب عَلَى كُلّ وَاحِد أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الإِمَامْ ، فَيَضَع يَده فِي يَده وَيُبَايِعهُ , وَإِنَّمَا يَلْزَمهُ الانْقِيَادُ لَهُ , وَأَلا يُظْهِر خِلافًا , وَلا يَشُقّ الْعَصَا ” انتهى .

أخي القارئ الكريم : يلزم السمع والطاعة لمن ولَّاه الله علينا ولو كان ظالماً أو فاسقاً ، أو عبداً مجدع الأطراف ؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : – مَن رَأَى من أمِيرِهِ شيئًا يَكْرَهُهُ فلْيَصْبِرْ عليه ، فإِنَّهُ ليس أحدٌ يُفارِقُ الجَماعةَ شِبْرًا فيَموتُ ، إِلَّا ماتَ مِيتةً جَاهِلِيَّةً – رواه البخاري ومسلم في صحيحهما ، وقال صلى الله عليه وسلم : – السَّمعُ والطَّاعةُ على المَرءِ المُسلِمِ فيما أحَبَّ وكَرِهَ، ما لم يُؤمَرْ بمَعصيةٍ ، فإذا أُمِرَ بمَعصيةٍ فلا سَمعَ ولا طاعةَ – رواه البخاري ومسلم ؛ وفي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : – وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغةً ، ذرفت منها العيون ، ووجِلت منها القلوبُ . فقال قائلٌ : يا رسولَ اللهِ ! كأن هذه موعظةُ مُودِّعٍ ؛ فماذا تعهد إلينا ؟ فقال : أوصيكم بتقوى اللهِ ، والسمعِ والطاعةِ ، وإن عبدًا حبشيًّا ، فإنه من يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا ، فعليكم بسنتي ، وسنةِ الخلفاءِ المهديّين الراشدين تمسّكوا بها ، وعَضّوا عليها بالنواجذِ ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ ؛ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ – رواه أبو داود في سننه ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم 4607 ، وفي رواية مسلم : – عَن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال : إنَّ خَليلي أوصاني أن أسمع وأُطيعَ ، وإن كان عَبدًا مُجَدَّعَ الأطرافِ – .

وأخيراً نحمد الله في بلاد الحرمين الشريفين المملكة العربية السعودية أن ولاة أمرها أهلُ عدلٍ ، وإصلاحٍ ، وانصاف ؛ منذ تأسيس هذه البلاد في دورها الأول ، والثاني ، والثالث بفضل الله وحده ؛ وإلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية حفظه الله ومتعه الله بالصحة والعافية ، وأيده الله بولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظه الله ورعاه أمير الشباب ، وصاحب الرؤية الثاقبة الطموحة للرقي ببلادنا لأعلى الرتب ؛ وفقه الله ووقاه من كل شر وبلاء ، وسائر الوزراء ، والأمراء ، والمسؤولين ؛ لكل خيرٍ ، وهدىً ، ورشادٍ ، وجنبهم كل شرٍّ وبلاءٍ ، وفساد ، وسائر ولاة أمر المسلمين في بلدانهم لما يحبه الله ويرضاه ؛ ونسأله تعالى أن يديم علينا نعمه الظاهرة والباطنة ، وأن يهيئ لولاة أمر المسلمين من يعينهم على طاعة ربهم ، وتحقيق تطلعات بلدانهم ؛ لما فيه صلاح الدين والدنيا ، والعباد والبلاد ، وأن يكفيهم شر الأشرار ، وكيد الفجار ، وشر طوارق الليل والنهار ، وأن ييسر أمورنا ، ويهدي قلوبنا ، ويؤلف ذات بيننا ، وأن يحسن ختامنا ، ويتقبل أعمالنا ، ويدخلنا جنة ربنا ؛ وينجينا من سخطه وعذابه

. اللهم آمين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬