مقالات

بودكاست ثمانية بين شغف الريادة ومتطلبات المؤسسية .

بقلم : د. مشاعل الغفيلي

بقلم : د. مشاعل الغفيلي

اضاءة استراتيجية :

يرى بيتر دركر إن الابتكار هو “الأداة المحددة لريادة الأعمال”، أي الوسيلة التي تمنح الموارد قدرة جديدة على إنتاج القيمة. وهذا مناسب جدًا لفكرة أن الريادة لا تقوم على الفكرة فقط، بل على تحويل الموارد المحدودة إلى أثر وسوق وجمهور كما ان الابتكار المنظم يبدأ بتحليل الفرص، لا بمجرد الحماس أو العفوية و الانتقال إلى المؤسسية لا يعني قتل الابتكار، بل تنظيمه حتى يصبح قابلًا للتكرار والاستمرار.

من الريادة إلى المؤسسية: 

الريادة (Entrepreneurship) هي مرحلة بناء المشروع اعتمادًا على رؤية المؤسس وشغفه وقدرته على الابتكار واتخاذ القرارات بسرعة. في هذه المرحلة تكون المرونة عالية، والإجراءات قليلة، ويكون المؤسس هو المحرك للفكرة والهوية والثقافة.

وترتبط الريادة غالبًا بمفهوم الشركة الناشئة (Startup)، وهي الشركة التي تكون في بداياتها، وتبحث عن نموذج عمل قابل للنمو، وتعتمد على الابتكار والسرعة والتجربة المستمرة. فالـ Entrepreneur هو الشخص أو المؤسس، أما الـ Startup فهي المشروع الذي يبنيه. وبذلك يمكن القول إن عبدالرحمن أبو مالح كان رائد الأعمال، بينما كانت ثمانية في بداياتها شركة ناشئة تحاول أن تثبت هويتها، وتبني جمهورها، وتختبر نموذجها في سوق المحتوى الرقمي.

أما المرحلة المؤسسية (Institutionalization) فتبدأ عندما يكبر المشروع ويتحول إلى كيان أكبر يحتاج إلى الحوكمة والأنظمة والسياسات ,ومجلس إدارة وإدارة المخاطر. هنا تصبح القرارات أكثر تنظيمًا، لكنها غالبًا أقل مرونة وأبطأ من المرحلة الريادية.

ويمكن فهم ما حدث مع عبدالرحمن أبو مالح وثمانية من هذا المنظور؛ فقد نجح في عام 2016 في بناء ثمانية بروح ريادية صنعت هوية مميزة، ومحتوى مختلفًا، و علامة فارقة كشركة تقدم المحتوى بطريقة قريبة وتلامس الناس. بدأت ثمانية كشركة محتوى رقمي، ثم تحولت إلى واحدة من أبرز منصات البودكاست والصحافة الرقمية العربية، ومن أشهر منتجاتها “بودكاست فنجان”. قصة نجاح حقيقية لم تكن سهلة في البدايات بل كانت ملئية بالتحديات والضغوطات لفريق في البداية لم يكن يملك ميزانية كافية لتوظيف العاملين أو إنتاج محتوى ضخم، لكنه كان يؤمن بامتلاكه قدرة عالية ومهمة في إقناع الناس بالمشاركة في مشروع يؤمن بفكرته وقيمته حتى قبل وجود العائد المالي الكبير و ارتكز على رؤية فكرية غنية و واضحة نابعة من قدرات و مواهب توظيف الابداع كأداة استراتيجية في طرح الرؤية و العمل على امتلاك المهارات اللازمة لتنفيذها ومهارات خاصة في التواصل و التأثير و التفاوض و الاقناع.

سيناريو التعثر: ما الذي تكشفه مغادرة عبدالرحمن أبو مالح؟

لكن بعد دخولها مرحلة أكثر مؤسسية في عام 2021 وعقب استحواذ SRMG (Saudi Research and Media Group) على جزء كبير منها ، أعلن عبدالرحمن أبو مالح في 2026 المغادرة بعد نحو عشر سنوات من تأسيسها..

ولا ينبغي النظر إلى هذه الحادثة باعتبارها مجرد استقالة مؤسس أو خلاف إداري عابر، بل باعتبارها نموذجًا لتحدٍ تواجهه شركات كثيرة حول العالم عند انتقالها من مرحلة الشركة الناشئة إلى مرحلة المؤسسة الكبيرة.

فالاستحواذ على شركة إبداعية لا يشبه الاستحواذ على مصنع أو منصة تشغيلية لأن الأصل الحقيقي في شركات المحتوى هو الصوت، والهوية، والثقة، والحس التحريري، وعلاقة الجمهور بالمؤسس والفريق. فإذا دخلت الشركة الكبرى بمنطق البيروقراطية والحوكمة والتدخلات المتعددة، فقد تكسب الملكية لكنها قد تخسر القيمة التي جعلت المشروع ناجحًا في الأصل.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته بسيناريو التعثر. فأسوأ وضع للشركة ليس أن تفشل مباشرة، بل أن تتوقف في المنتصف لا هي تستمر على قطار النمو، ولا هي تمتلك الشجاعة لاتخاذ القرارات الصعبة اللازمة للتغيير. فالكثير من الشركات تنجح في بداياتها بروح المؤسس، والعلاقات الشخصية، والحماس، والثقافة الريادية المرنة، لكن عندما تكبر لا يكفي هذا الأسلوب وحده إذ تحتاج إلى أنظمة، وحوكمة، وقيادات، وتفويض، وإدارة مخاطر، وقرارات أكثر نضجًا.

اسئلة المرحلة القادمة : 

ومن هنا يبرز سؤال جوهري يواجه رواد الأعمال عندما تبلغ شركاتهم مرحلة النضج هل يريدون البقاء على الطريقة الريادية التي صنعت نجاحهم الأول؟ أم يريدون بناء كيان أكثر مؤسسية يستطيع الانتقال إلى المستوى التالي؟

المؤسس الذي نجح في إطلاق المشروع قد يحتاج لاحقًا إلى إعادة تعريف دوره، ليس بوصفه صاحب الفكرة فقط، بل بوصفه قائدًا قادرًا على بناء مؤسسة تستمر بعده. لكن في المقابل، لا يمكن اختزال المشكلة في مقاومة المؤسسين للمؤسسية فالتحدي الحقيقي أكثر تعقيدًا من ذلك. وربما لا توجد حل مثالي لحل هذه المشكلة ففي عالم الأعمال الحديث، غالبًا ما يُستخدم النمو السريع لإخفاء كثير من المشكلات الإدارية والتنظيمية فطالما أن الإيرادات والعملاء في ارتفاع، تبدو العيوب أقل وضوحًا. لكن عندما تتباطأ وتيرة النمو، تبدأ الاختناقات بالظهور ضعف الحوكمة، وتضارب الصلاحيات، والاعتماد المفرط على المؤسس، وصعوبة اتخاذ القرار.

وهنا تواجه الشركات التي انتقلت من مرحلة Startup إلى مرحلة أكثر نضجًا سؤالًا آخر اكثر عمقا واهمية كيف يمكن بناء مؤسسة تتمتع بالانضباط والشفافية وإدارة المخاطر اللازمة للاستمرار والتوسع ؟ هل تستطيع ان تحافظ على روح المبادرة والابتكار التي قامت عليها في البداية ؟

بين الاستدامة والابتكار تبنى قصص النجاح

الاستدامة في الشركات لا تعني الحفاظ على الوضع القائم، بل بناء قدرة تمنع نجاح اليوم من أن يصبح عبئًا على الغد والتحدي الحقيقي ليس فقط في بناء شركة ناجحة، بل في بناء نموذج حوكمة يسمح بجذب المبدعين ورواد الأعمال والمحافظة عليهم، ويمنحهم الحرية الكافية للابتكار، وفي الوقت ذاته يوفر الضوابط والأنظمة التي تضمن الاستدامة والنمو على المدى الطويل.

لذلك فإن السؤال الأهم ليس: كيف ننتقل من الريادة إلى المؤسسية؟ بل كيف ننتقل إلى المؤسسية دون أن نفقد الروح الريادية التي صنعت نجاحنا من الأساس؟

ولهذا يقال إن الريادة تبني الشركة، أما المؤسسية فتحافظ على استمراريتها. غير أن النجاح الحقيقي لا يكمن في الانحياز الكامل لأي منهما، بل في القدرة على الجمع بينهما. فما أوصل الشركة إلى النجاح في البداية قد لا يكون كافيًا لحملها إلى المرحلة القادمة، لكن التخلي الكامل عن تلك الروح قد يكون هو الآخر بداية فقدان هويتها. وبين هذين الحدين المطرقة والسَّندان تكمن أصعب مهمة تواجه الشركات الناشئة عندما تكبر وتنضج دون أن تفقد هويتها التي اسست نجاحها مع الجمهور .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬