أُمِّي… الحكاية الأولى والأخيرة

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
هناك أشياء كثيرة نراها في حياتنا، ونلتقي بأشخاص لا يُحصون، ونعبر طرقًا ومدنًا وذكريات لا تنتهي، لكن تبقى الأم هي البداية التي لا يسبقها شيء، والنهاية التي لا يشبهها أحد.
أول غرفة سكنّاها كانت بطن أمنا، وأول دفء عرفناه كان بين أضلعها، وأول صوت سمعناه كان نبض قلبها يهمس لنا بالأمان قبل أن نرى الدنيا. حملتنا وهي تتألم، وأطعمتنا من صحتها قبل أن تطعمنا من طعامها، وسهرت الليالي الطويلة بينما كنا ننام مطمئنين لا نعلم كم من التعب كانت تخفيه خلف ابتسامتها.
أول سرير نمنا عليه كان حضنها، وأول أغنية سمعناها كانت صوتها، وأول معلمة عرفناها كانت أمنا، وأول حب سكن قلوبنا كان حبها. كانت العالم كله قبل أن نعرف العالم، وكانت الأمان قبل أن نفهم معنى الأمان.
كبرنا ونحن نظن أن الحياة جميلة بطبيعتها، ولم نكن ندرك أن هناك امرأة كانت تمهد لنا الطريق بصمت، تزيح الأشواك عن أقدامنا قبل أن نخطو، وتتحمل عنا الكثير حتى نعيش نحن القليل من الراحة.
الأم ليست مجرد شخص في حياتنا، بل وطن كامل. إذا ضاقت بنا الدنيا اتسعت لنا، وإذا انكسرنا جمعت شتاتنا، وإذا أخطأنا سامحت، وإذا غبنا انتظرت، وإذا تألمنا تألمت أكثر منا.
كم مرة مرضنا فباتت الليل تدعو لنا؟ وكم مرة أخفت دمعتها حتى لا نراها؟ وكم مرة تنازلت عن شيء تحبه ليبقى أبناؤها سعداء؟ إنها العطاء الذي لا يطلب مقابلًا، والحب الذي لا يعرف الشروط، والقلب الذي يتسع لكل أخطائنا مهما عظمت.
وحين تكبر بنا السنين، ونبدأ بفهم الحياة أكثر، ندرك أن أجمل أيام العمر كانت تلك التي كنا نعود فيها إلى البيت فنجد أمنا بانتظارنا. ندرك أن الأمان لم يكن في الجدران، بل في وجودها، وأن الطمأنينة لم تكن في المكان، بل في دعائها.
وكلما تقدم بها العمر، أدركنا كم أخفت عنا من أوجاع، وكم ابتسمت وهي متعبة، وكم قالت: “أنا بخير” وهي تحمل من الهموم ما لو وُزع على الجبال لأثقلها. فالأم لا تحكي كثيرًا عن ألمها، لأنها منشغلة دائمًا بألم أبنائها.
وإذا رأيت أمك يومًا تنهار أمامك، أو تغلبها دمعتها، أو خانتها قوتها التي اعتدت عليها، فتوقف عن جدالها فورًا. لا تنتصر عليها بكلمة، ولا ترفع صوتك عليها، ولا تحاول إثبات أنك على حق. اقترب منها فقط، وأمسك يدها، واحتضن قلبها المتعب.
فالأم التي تراها ضعيفة للحظات هي نفسها التي كانت قوية من أجلك سنوات طويلة. هي التي سهرت حين نمت، وبكت حين تألمت، وخافت حين غبت، ودعت لك في كل صلاة، وحملت عنك ما لا تعلمه من الهموم والمتاعب.
تذكر أن العمر أخذ من جسدها ما لم يأخذه من حبها لك، وأن التجاعيد التي رسمها الزمن على وجهها ليست إلا سنوات من السهر والخوف والدعاء والتضحية. كل خط في وجهها حكاية، وكل شعرة بيضاء قصة حب كتبتها لك دون أن تشعر.
بعضنا ما زال ينعم بوجود أمه، فليغتنم كل لحظة معها، وليخبرها كم يحبها، وليجلس بقربها أكثر، فالعمر يمضي أسرع مما نظن. وبعضنا فقد أمه، لكنه لا يزال يسمع صوتها في ذاكرته، ويشعر بحنانها في دعواتها التي ما زالت تظلله حتى بعد رحيلها.
وقبل أن ترفع صوتك على أمك، تذكر أنها المرأة الوحيدة التي أحبتك قبل أن تعرفك، وأعطتك قبل أن تطلب منها، وسامحتك قبل أن تعتذر. وإذا رأيتها تبكي يومًا فلا تناقش دموعها، بل امسحها. ولا تجادل انكسارها، بل اجبره. فسيأتي يوم تتمنى فيه أن تسمع عتابها مرة أخرى، أو تقبّل يدها، أو ترى ابتسامتها، ولن تجد إلا الذكريات.
رحم الله أمًّا رحلت فتركت في القلب فراغًا لا يملؤه أحد، وحفظ الله أمًّا ما زالت تمشي بيننا تحمل لنا دعواتها وحنانها. فوالله ما عرفنا معنى الحب الصادق إلا منها، ولا عرفنا معنى الأمان إلا بقربها.
فالأم ليست نصف الحياة…
الأم هي الحياة كلها.
هي الحكاية الأولى التي بدأنا بها، والنعمة التي لا يُعرف قدرها إلا حين تغيب، والباب الذي يبقى مفتوحًا مهما أغلقت الدنيا أبوابها، وهي القلب الذي إن رحل لا يعوضه أحد.
اللهم احفظ أمهاتنا الأحياء، وارحم أمهاتنا اللاتي سبقننا إليك، واجعل برّهن نورًا لنا في الدنيا والآخرة.




