أنتَ أنا… فمن أنا؟

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
في كتب التراث تُروى حكايةٌ عن رجلٍ اشتهر بين الناس بفرط غفلته، حتى أصبح اسمه مثلًا يُتداول عبر القرون. ويُقال إنه كان يخشى أن يختلط عليه أمر نفسه، فوضع في عنقه علامةً يعرف بها ذاته. وفي ليلةٍ عابثة، نقل أخوه تلك العلامة إلى عنقه، فلما استيقظ، رأى العلامة في غير موضعها، فحدق في أخيه طويلًا ثم قال عبارته التي خلدها التاريخ:
“أنتَ أنا… فمن أنا؟”
ضحك الناس يومها من سذاجة الرجل، لكنهم لم يدركوا أن الحياة ستجعل كثيرًا من العقلاء يرددون السؤال نفسه، وإن لم ينطقوا به.
فالإنسان لا يضيع حين يفقد الطريق، بل حين يفقد نفسه.
كم منا عاش عمرًا كاملًا وهو يفتش عن ذاته في عيون الآخرين؟ يستمد قيمته من مديحهم، ويقيس نجاحه برضاهم، ويستعير هويته من وجودهم. فإذا غابوا، أو تبدلت قلوبهم، أو تغيرت وجوههم، وقف أمام مرآة الحياة مذهولًا، لا يعرف الاسم الذي يحمله، ولا الملامح التي كانت له يومًا.
إن أخطر أنواع الفقد ليس فقد الأحبة، ولا الأموال، ولا المناصب، بل أن تستيقظ ذات صباح فتجد أن كل ما كنت تظنه “أنت”، لم يكن إلا انعكاسًا لغيرك.
هناك من يذوب في الحب حتى ينسى نفسه، ومن يذوب في السلطة حتى ينسى إنسانيته، ومن يذوب في الشهرة حتى يصبح أسير تصفيق الآخرين. وكلهم، في لحظة السقوط، يرددون السؤال ذاته: “فمن أنا؟”
إن الهوية لا تُعلَّق في الأعناق كما فعل صاحب القصة، ولا تُكتب على الأوراق، ولا يمنحها الناس بتصفيقهم أو يسلبونها بغيابهم. الهوية تُبنى في أعماق الروح؛ في المبدأ الذي لا يتغير، وفي الضمير الذي لا يُشترى، وفي الإيمان الذي يبقى ثابتًا حين يتبدل كل شيء.
ولهذا كان أعظم اكتشاف في حياة الإنسان ليس أن يعرف العالم، بل أن يعرف نفسه. فمن عرف نفسه عرف نقاط ضعفه قبل قوته، وعرف رسالته قبل طموحه، وعرف أن قيمته لا تُقاس بمن بقي معه أو بمن رحل عنه، بل بما يحمله في داخله من صدقٍ وأخلاقٍ وإيمان.
ولعل السخرية التي أحاطت بتلك القصة القديمة تخفي حكمةً لم ينتبه إليها كثيرون؛ فهبنقة لم يكن الوحيد الذي بحث عن نفسه خارجها، وإنما سبق عصره في تصوير مأساةٍ يعيشها الملايين اليوم. الفرق الوحيد أنه علّق هويته في قلادة، بينما علّقها غيره في شخص، أو وظيفة، أو منصب، أو علاقة، أو شهرة، أو كلمة إعجاب.
لذلك، كلما تبدلت الوجوه، أو انطفأت العلاقات، أو سقطت الأقنعة، اسأل نفسك قبل أن تسأل غيرك:
من أنا، لو نُزعت مني كل الأسماء، وكل المناصب، وكل من أحببت؟
فإذا وجدت الإجابة في قلبك، فقد ربحت نفسك…
وإن لم تجدها، فاعلم أن رحلة البحث الحقيقية لم تبدأ بعد.




