ترددات الجروح

بقلم الكاتبه: عبير بن صديق
هل التجارب التي نمر بها أو تمر بنا وحدها هي القادرة على تغيير نظرتنا إلى الحياة؟ لا، بل جراحُنا القديمة تغيّرها بصمت، تركد في أعماقنا، ومع الوقت ننساها أو نتناساها. بينما الحقيقة أن تلك الجراح عدسة تسيطر على رؤيتنا لعلاقتنا مع أنفسنا، ومع شريك الحياة، ومع الأبناء، ومع كل من حولنا، ثم تضيف إلينا أحكامها الخاصة من خلال ما تدركه هي. تلك العدسة تحفظ في ذاكرتها ما مررنا به، وتختزل فيها آلامنا، فلا تستثيرنا أسئلة تبحث عن الجذور، بل توجهنا نحو التقييم فقط، ونحو ما هو كائن الآن.
وعودةً إلى العمق.. المشكلة ليست في كينونتها كجروح؛ فسنة الحياة تقول إنها جزء من تجاربنا كبشر، وكل البشر يحملون نصيبهم منها. المشكلة تكمن في كوننا نحيا من خلالها، فتصيغ علاقاتنا وتعاملاتنا، وتشكل ردود أفعالنا، وتوجهنا نحو إنجازاتنا، وكأن ترددات صوتها لا تنتهي.
إن عدم إدراكنا ووعينا بمشاعرنا يجعلها كبندول يتأرجح بين تفاصيل الحياة ودهاليز القلب، فتأخذنا نحو مخاوف، وردود أفعال مبالغ فيها.
وهنا تنتقل آثارها منا إلى من حولنا من حيث لا نرى ولا ندرك؛ فما تبثه المشاعر والأحاسيس يورث حزنًا وألمًا لا عنوان لهما ولا خارطة.
لذا فالوعي النفسي لا يقتصر على دور الكابح فحسب، بل يتخطاه إلى دور القائد والموجّه والمدرب في محاولة الاستشفاء من الماضي، ورؤية الواقع بوضوح.
الشفافية مع الذات تتولد من الوعي، لتصبح بوصلةً جديدة تخفف أحمالًا تراكمت عبر السنين، وتعيد ترتيب مشاعرنا وسكينتنا. ثم تنساب بهدوء في قلوب من نحب، وفي انعكاسهم في مرآتنا. فنجد أنفسنا قادرين على أن نمنحهم حرية الاختيار، وحرية القرار، وحرية صنع تجاربهم الخاصة وكتابتها بأقلامهم، ورسمها بريشتهم من خلال عدستهم.
وربما تتساءل كيف يمكن أن أحقق ذلك؟ نحتاج أن نتساءل دومًا ونتوقف لنفهم: لماذا فعلت؟ لماذا تأثرت؟ لماذا تأذيت؟ لماذا ضعفت؟.. إلى آخرها من التساؤلات، لا لتهميش المشاعر ولا للمرور السريع على انفعالاتنا، فكلها مسؤوليتنا تجاه النفس التي خلقها الله على الفطرة، وتحتاج أن تعود إليها مرارًا وتكرارًا.




