كانوا هنا… ذات يوم

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
كانوا هنا…
ليسوا مجرد عابرين في ذاكرة، بل تفاصيل كاملة كانت تعيش معنا، تأكل من قلوبنا، وتنام في زوايا أيامنا، وتستيقظ كل صباح داخلنا دون أن ننتبه.
كانوا هنا…
يملأون المكان ضحكًا، كأن الجدران تحفظ أصواتهم، وكأن الهواء تعلّم أسماءهم من كثرة ما ناديناهم.
كانت لهم أماكنهم الثابتة: كرسي لا يجلس عليه غيرهم، زاوية تشبههم، تفاصيل صغيرة لا تُرى… لكنها كانت كل شيء.
ثم رحلوا.
ليس الرحيل دائمًا مغادرة جسد،
أحيانًا يرحل الإنسان وهو ما زال يتحدث معك، يرد عليك، يراك… لكنه لم يعد “هنا”.
تتغير نبرته، تقلّ حرارته، تختفي روحه تدريجيًا، وكأنك تشاهد انسحابًا بطيئًا من قلبك، دون أن تستطيع إيقافه.
والأصعب…أنك تبقى.
تبقى أنت في نفس المكان، بنفس التفاصيل، لكن كل شيء فقد معناه.
تجلس في المكان الذي كان يجمعكما، فتشعر أن المسافات أصبحت أطول، وأن الصمت صار أثقل من الكلام، وأن الذكريات لم تعد دافئة… بل مؤلمة.
كانوا هنا…
يقولون أشياء عادية جدًا، لكنها اليوم تبدو عظيمة:
“انتبه لنفسك”،
“وصلت؟”،
“اشتقت لك”.
كيف لجملة بسيطة أن تتحول إلى فراغ هائل؟
كيف لصوت كان عابرًا أن يصبح صدى لا يغادر رأسك؟
نكتشف متأخرين…
أن بعض الأشخاص لم يكونوا مجرد أشخاص،
بل كانوا “حالة شعور” كاملة.
كانوا أمانًا متنقلاً، وطمأنينة غير مشروطة، ودفئًا لا يُعوّض.
وعندما رحلوا…
لم يأخذوا أنفسهم فقط،
بل أخذوا جزءًا منا… لن يعود كما كان أبدًا.
لكن الحقيقة التي نحاول الهروب منها:
أن الحياة لا تتوقف عند أحد،
وأن القلوب – رغم انكسارها – تتعلم كيف تُرمّم نفسها،
ليس لأنها نسيت…
بل لأنها اضطرت أن تعيش.
نعيش… لكن بشيء ناقص،
نضحك… لكن بظل حزن،
نستمر… لكننا نحمل بداخلنا نسخة قديمة منّا، ما زالت تقف هناك…
في نفس المكان،
تنتظرهم.
كانوا هنا…
وذات يوم، سنكون نحن أيضًا ذكرى في حياة أحدهم.
سنكون الجملة التي يتذكرها، والموقف الذي يبتسم له، أو ربما الألم الذي لا ينساه.
فإما أن نكون حضورًا يُنسى بسهولة…
أو أثرًا لا يُمحى مهما مرّ الزمن.
الذكريات… حين يصبح الماضي وطنًا لا نستطيع العودة إليه ولا الهروب منه”




