حين لا تُرهقك العلاقات… يكون القلب في أمان

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي
في زمنٍ تتكاثر فيه العلاقات وتتشابك تفاصيلها، يظنّ البعض أن القرب من الآخرين هو الطريق الأقصر للاكتمال، وأن كثرة من حولنا تعني بالضرورة حياة أكثر دفئًا. لكن الحقيقة التي لا يُلتفت إليها كثيرًا، أن الإنسان لا يُرهقه البُعد بقدر ما تُرهقه العلاقات التي لا تمنحه الطمأنينة.
ليست كل علاقة تُبنى لتكون سكنًا، فبعضها يتحول – دون أن نشعر – إلى عبءٍ يومي. عبء السؤال المستمر: هل أنا مقبول؟ هل أنا مفهوم؟ هل أخطأت؟ ولماذا عليّ دائمًا أن أشرح، وأبرر، وأُعيد صياغة ذاتي كي أبقى؟
وهنا يبدأ الاستنزاف الحقيقي… لا في العلاقة نفسها، بل في الروح التي تحاول البقاء داخلها.
إن أثقل ما قد يعيشه الإنسان، أن يكون مضطرًا للدفاع عن نواياه أمام من يفترض أنهم الأقرب. أن يشعر بأن كل كلمة محسوبة، وكل تصرّف قابل للتأويل، وكل صمت قد يُدان. فيتحول حضوره من عفويةٍ صادقة، إلى حالة ترقّبٍ حذرة، وكأنّه يمشي على حافة قلبه.
وفي المقابل، هناك علاقات لا تُرهقك… لا لأنها خالية من العيوب، بل لأنها مليئة بالفهم.
علاقات لا تحتاج فيها لأن تكون مثاليًا، بل كافيًا كما أنت.
لا تُحاسبك على أخطائك بقدر ما تحتضن إنسانيتك، ولا تترصّدك لتسقط، بل تُمسك بك إن كدت تميل.
الإنسان بطبيعته لا يبحث عن الكمال في الآخرين، بل عن الأمان.
عن ذلك الشعور الخفي الذي يقول له: “هنا يمكنك أن تكون نفسك دون خوف”.
فالأمان في العلاقات ليس غياب الخلاف، بل حضور الطمأنينة حتى في لحظات الاختلاف.
ولعلّ أكثر ما يُتعب القلوب، ليس الخطأ بحد ذاته، بل أن تُخطئ ولا تجد من يفهمك. أن تُثقل عليك الحياة، فتجد نفسك مطالبًا بالتبرير بدل الاحتواء.
هنا، يتحوّل العتاب من وسيلة إصلاح، إلى أداة استنزاف.
إننا لا نحتاج إلى علاقات كثيرة، بقدر حاجتنا إلى علاقات صادقة.
علاقة واحدة تُشعرك بأنك مرئي، مسموع، ومفهوم… قد تُغنيك عن ضجيج العالم كله.
شخصٌ لا يجعلك تشك في نفسك، ولا يُربك قلبك، ولا يُحمّلك ما لا تطيق.
فليست كل علاقة تستحق أن تُبقيها، ولا كل قربٍ يستحق أن تُقاتل من أجله.
بعض العلاقات خُلقت لتعلّمك، لا لتبقى.
وبعض البُعد… نجاة.
في النهاية، يبقى الصفاء هو المعيار الحقيقي لكل علاقة.
أن تشعر بأن وجودك خفيف، وقلبك مطمئن، ونفسك على سجيتها…
فحين لا تُرهقك العلاقات، تدرك أنك أخيرًا في المكان الذي يستحقك.




