مقالات

في حضرة الفقد

بقلم الكاتبة : د. سوسن توفيق حنفي 

بقلم الكاتبة : د. سوسن توفيق حنفي 

دخلا معًا… كما اعتادا أن يفعلا دائمًا

لكن الحياة لم تُمهلهما أن يخرجا معًا.

في الطوارئ، لا نعرف تفاصيل القصص كاملة، نلتقطها من أطرافها سريعًا ونجمع قصاصاتها ونلملم أطرافها حتى تغدو صورة متكاملة،نظرة، اسم ، تنهيدة، دموع، ويد تبحث عن أخرى.

تصلنا جميع الإشارات ممزقة، نحاول أن نلملمها بين نبضٍ متسارع ،وصوتٍ مخنوق،وعلينا حل الأحجية تلك في ثوان.وفي تلك الليلة،لم تأتِنا حالة ناقصة كما عهدنا..

بل جاءت قصة مكتملة السرد والأحداث..

قصة حبٍ لم يُكتب لها أن تُكمل فصلها الأخير ونهايتها السعيدة.

حادثٌ عنيف.

زوجان نُقلا إلينا معًا.

دخلا على نقالتين متجاورتين،

كما دخلا الحياة يومًا متجاورين،

دون أن يعلما أن الطريق سيفترق بهذه السرعة.

كانت الزوجة شابة.

ملامحها ساكنة بشكلٍ يوجع،

كأن روحها بدأت تستعد لرحلةٍ لا تحتاج فيها إلى جسد.

إصاباتٌ مانعة للحياة.

نزف شديد.

توقف نبض.

بدأنا الإنعاش.

الأيدي تتحرك بسرعة،

الأوامر تتوالى،

والقلوب رغم كل المهنية كانت تهمس: يا رب.

ثم جاءت اللحظة التي ينتهي فيها سعي البشر،

ويظهر حكم السماء بلا مواربة.

أعلنتُ وفاتها.

في السرير الملاصق،

كان زوجها.

غارقًا في دمه،

وجراحه لم تُحصَ بعد،

لكن عينيه… لم تكونا هنا.

بينما كنا نفحصه،

نضغط على جروحه،

نحاول إيقاف النزف،

كان يلتفت بصعوبة،

يحاول أن يرفع رأسه رغم الألم،

ويناديها:

“فلانة…!

فينها؟ طمنوني عليها…”

لم يسأل عن نفسه.

لم يسأل: هل أنا بخير؟

كان يسأل سؤالًا واحدًا… يتكرر، يتشبث:

“كيف حالها؟ خلوني أشوفها…”

كان صوته يخرج من بين الألم،

لكن فيه خوفٌ أكبر من الألم نفسه.

كلما حاولنا تهدئته، عاد يناديها،

كأن اسمه في تلك اللحظة لم يكن اسمه…

بل اسمها. وألم جسده غير محسوس به بل حالها.

وكنا بعجزٍ إنساني نؤجل الحقيقة،

نمنحه دقائق رحمة قبل الانكسار حتى نلملم جروحه الجسدية .

لكن الحقيقة… لا تنتظر طويلًا.

وجرح النفس عصي علينا تخديره ودمله.

اقتربتُ منه.

كانت خطواتي أثقل من المعتاد،

كنت أعرف أني أحمل كلمةً ستكسر ما تبقى منه.

جلستُ عند رأسه،

ونظرتُ في عينيه.

لحظة صمت…كأن الزمن توقف احترامًا لما سيُقال.

أخبرته بعد تمهيد طويل وهو يقاطعني .. ( اخبريني ما تريدين دون تنميق فأنا قوي)

عندما أخبرته..

صرخ باسمها، بصوتٍ خرج من عمق الروح،

ومدّ يده في فراغٍ لم يعد يسكنه أحد.

لم يكن يبكيها وحدها…

كان يبكي عمرًا كاملًا انكسر دفعة واحدة.

وفي عينيه كانت ترتجف كلماتٌ لو نطق بها لقال:

عاهدتني أن لا تميل عن الهوى

وحلفتَ لي يا غصنُ أن لا تنثني

هبَّ النسيمُ ومال غصنٌ مثلُه

أين الزمانُ وأين ما عاهدتني؟

كان يبكي عهدًا بسيطًا،

يشبه كل عهودنا

أن نمضي معًا في طريقٍ واحد،

نقتسم حلوه ومرّه،

ونؤمن ببراءة أن الطريق لن يحيد.

لكن الطريق…

انكسر في منتصفه.

ثم قال بصوتٍ مكسور: ( كيف ترجع لي ؟ )

فعلا كان كمن أكمل الأبيات بلهجته:

كيف السبيل إلى وصالك… دلّني.

قالها كمن فقد الاتجاه،

وكمن يبحث عن طريقٍ لا يُرسم على الأرض.

ثم تذكّر فجأة:

“بنتنا…

بنتنا صغيرة…

كيف تعيش بدون أم؟”

سؤالٌ لا يُجاب…

دخلت العائلة.

وجاءت معهم الطفلة.

طفلة لم تكمل عاميها،

محمولة على كتف خالتها،

تتعلّق بثوبها الصغير،

وتتلفت بعيونٍ واسعة.

كانت تنادي:

“ماما… ماما…”

بصوتٍ بسيط، عفوي،

لا يعرف أنه ينادي غيابًا.

كانت تبحث عنها بين الوجوه،

تميل بجسدها،

كأنها تتوقع أن تخرج أمها من أي زاوية.

لم تبكِ.

كانت فقط… تبحث.

وكان ذلك… أشد وجعًا.

الأهل في ذهول،

الدموع صامتة،

والكلمات عاجزة.

وفي زاوية من المكان،

كانت طفلة تنادي أمًا

لن تجيب.

خرجتُ من المستشفى،

وما زالت تلك الأصوات في داخلي.

قدتُ سيارتي،

ودخلت متجرًا.

وانفتح عالمٌ آخر.

أضواء.

ضحكات.

أطفال يركضون.

أناس يملؤون عرباتهم لحياتهم القادمة.

وقفتُ بينهم،

وأنا أحمل عالمًا لا يشبههم.

قبل دقائق،

كنت في بيتٍ انطفأ.

وهنا… بيوت تُضاء.

لم يكن التناقض صادمًا…

بل كاشفًا.

كاشفًا لحقيقة الحياة .

الدنيا ليست قاسية…

نحن من نسيء قراءتها.

نطلب منها الثبات،

وهي خُلقت لتتبدل.

نتعلّق بها،

وهي لا تعدُ أحدًا بالبقاء.

هي طريق، لا مقام.

ظل، لا أصل.

لحظة، لا امتداد.

تعطي… ثم تأخذ،

تجمع… ثم تفرّق،

وفي اللحظة نفسها.

وما أجهل من اغترّ بها،

وظن أن الفرح دائم،

وأن الأحبة لا يرحلون.

خرجتُ من المتجر،

وكان الليل أكثر صدقًا من كل الأضواء.

رفعتُ رأسي إلى السماء،

وتذكّرت…

كيف نظن أن القلوب تتعاهد على البقاء،

ثم تميل بها الحياة كما يميل الغصن،

دون أن تستأذن أحدًا.

وأدركتُ

أن كل عهدٍ في هذه الدنيا قابلٌ للانقطاع…

إلا العهد مع الله.

وردّدتُ لا حزنًا، بل يقينًا:

كيف السبيل إلى وصالك… دلّني.

يا الله…

وأنت الباقي، والجميع راحلون.

وأنت الجابر، وكلنا منكسرون.

وأنت الذي تلمّ شتاتنا، ونحن المبعثرون.

فعاهدناك يا رب

لا على بقاء الدنيا،

بل على أن نعود إليك

كلما مالت بنا الحياة.

وأن نحبّك

حبًا لا ينكسر،

ولا ينتهي.

لأن كل شيءٍ زائل…

إلا أنت.

 

مفهوم القدر في الطوارئ

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬